أسواق الكربون الأفريقية تنتقل من مرحلة "الاستعداد" إلى "التنفيذ".. والسودان يملك الأساس التقني بلا وسيلة لتحويله إلى تمويل
السودان يملك الأساس التقني.. ولا وسيلة لتحويله إلى تمويل

تنتقل أسواق الكربون الأفريقية من الاستعداد إلى التنفيذ قبل قمة كيغالي في أكتوبر. يملك السودان الأساس التقني، لكن الحرب عطّلت المؤسسات اللازمة لتحويله إلى تمويل.

الفكرة الرئيسية
في أكتوبر المقبل، سيجلس أكثر من 10 حكومات أفريقية وأكثر من 20 مستثمرًا وممولًا حول طاولة واحدة في كيغالي، رواندا، لحضور “قمة أسواق الكربون الأفريقية” (CMAS) 2026، المقررة يومي 13 و15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، والتي يصفها منظموها بأنها اللحظة التي تتوقف فيها أسواق الكربون الأفريقية عن “التمرين” وتبدأ فعليًا في إبرام الصفقات (بيان صادر عن مجموعة “أيه بي أو”/”فوكا غروب”، 21 أغسطس/آب 2026). لن يكون السودان من بين الحكومات الجالسة على تلك الطاولة، ليس لافتقاره إلى الأساس التقني اللازم للمنافسة، بل لأن سنتين من الحرب جعلتا من المستحيل تحويل ذلك الأساس إلى سوق فعلي. هذه الفجوة، أكثر من أي نقص في الغابات أو أشعة الشمس، هي ما سيُبقي السودان خارج واحد من مصادر التمويل القليلة بعد الحرب التي لا تتطلب إعادة بناء خط كهرباء واحد أو ميناء أولًا.
الحجة
أولًا، سوق الكربون الأفريقي ينتقل من المشروعات التجريبية إلى صفقات حقيقية، والأموال بدأت تتبع ذلك. تُبنى قمة CMAS 2026، التي تستضيفها وزارة البيئة الرواندية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومصرف التنمية الأفريقي كمنظمين رئيسيين، حول سؤال واحد يطرحه منظموها مباشرة: ما الذي يجعل مشروعًا ما “قابلًا للتمويل والتأمين والتحقق”؟ (بيان “أيه بي أو”، 21 أغسطس 2026). وتدفع خطة عمل الاتحاد الأفريقي بشأن أسواق الكربون، إلى جانب “مبادئ الإنصاف والنزاهة في أسواق الكربون” الصادرة عن وكالة التنمية التابعة للاتحاد الأفريقي (أودا-نيباد)، الدول الأعضاء من مرحلة الاستعداد نحو التنفيذ الفعلي، بينما تستهدف “مبادرة أسواق الكربون الأفريقية” تحقيق 6 مليارات دولار من عائدات الأرصدة الكربونية سنويًا بحلول 2030، ترتفع إلى ما يُقدَّر بـ120 مليار دولار بحلول 2050 (موقع carboncredits.com، 2026). وتعمل غانا على بناء خطوط أنابيب مشروعات بموجب المادة 6 من اتفاق باريس وأنظمة ترخيص خاصة بها؛ وتتصدر كينيا بالفعل السوق الطوعي في القارة؛ وحصلت الغابون على 17 مليون دولار من اتفاقية بقيمة 150 مليون دولار على مدى عشر سنوات مع “مبادرة وسط أفريقيا للغابات” لحماية نصيبها من حوض الكونغو (African Business؛ “أول أفريقيا”، 2026). لم يعد الأمر مجرد نقاش على هامش المؤتمرات، بل صار سوقًا تلتقي فيه حكومات وهيئات معايير وأكثر من 20 مستثمرًا وممولًا مُسمًّى حول أجندة واحدة في كيغالي.
ثانيًا، يملك السودان بالفعل من الأساس التقني أكثر مما يوحي به غيابه عن هذه الأجندة. كان السودان عضوًا مؤسسًا في “تحالف شرق أفريقيا لأسواق الكربون وتمويل المناخ” منذ انطلاقه في يونيو/حزيران 2019، إلى جانب بوروندي وإثيوبيا وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، وهي نفس الكتلة الإقليمية التي تُغذّي الآن الحكومات وخطوط المشروعات المتجهة إلى قمة كيغالي. كما يمتلك السودان نموذجًا مصغرًا لإثبات الجدوى على مستوى القارة: “مشروع مواقد دارفور منخفضة الدخان”، وهو أول برنامج لأرصدة الكربون يُسجَّل في البلاد على الإطلاق، ويعمل على توفير 10 آلاف موقد غاز مسال للأسر السودانية، ومن المتوقع أن يخفّض أكثر من 300 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون على مدى عشر سنوات، مع تقليل وفيات استنشاق الدخان وضغط إزالة الغابات المرتبط بحرق الفحم (منصة الأمم المتحدة الإطارية لتغيّر المناخ، “زخم من أجل التغيير”). والأبرز من ذلك أن السودان حافظ على التزاماته بالإبلاغ المناخي حتى في خضم الحرب: فبعد أن جعل نزاع 2023 استكمال القياسات الميدانية المخطط لها للغابات أمرًا مستحيلًا، تعاونت “الهيئة القومية للغابات” السودانية مع جامعة ماريلاند لمعايرة بيانات الليزر الساتلية لبرنامج ناسا “غيدي” (GEDI) مقابل قطع الأراضي الميدانية القائمة، ليصبح السودان أول دولة في العالم تُدمج رسميًا تقنية الليدار الفضائي في “مستوى مرجعي وطني للغابات” (FRL). قدّم السودان هذا المستوى المرجعي إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ عام 2025، وأكمل التقييم الفني له في مطلع 2026، وهي نتيجة وصفها أحد مسؤولي الغابات في منظمة الأغذية والزراعة (فاو) بأنها جعلت السودان “رائدًا في استخدام النمذجة الجيوإحصائية لدمج البيانات الساتلية بطرق مبتكرة” رغم استمرار النزاع (مدونة فاو لرصد الغابات، 24 أبريل/نيسان 2026).
ثالثًا، لا شيء من هذه المرونة التقنية يتحوّل إلى البنية المؤسسية والمالية التي تُحرّك الأموال فعليًا. فالمستوى المرجعي للغابات ومشروع تجريبي بـ10 آلاف موقد هما مُدخلان في سوق الكربون، وليسا سوقًا بحد ذاتهما. وتحدد أجندة قمة CMAS 2026 بنفسها المكوّنات التي لا تزال غائبة لتمكين أي دولة أفريقية من جذب رأس المال على نطاق واسع: قدرات موثوقة للقياس والإبلاغ والتحقق (MRV)، وجاهزية الامتثال، وقابلية تشغيل السجلّات بشكل متبادل، و”يقين المعاملات” الذي لا توفره سوى مؤسسات فاعلة (بيان “أيه بي أو”، 21 أغسطس 2026). ولا يمكن لوزارة البيئة السودانية أن توفد بسهولة وفدًا للتفاوض على اتفاقيات شراء الأرصدة بينما لا تزال البلاد منقسمة بين سلطات متنافسة؛ فأي مشروع كربوني قابل للتمويل، سواء في إطار “خفض الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهورها” (REDD+) أو الشبكات الكهربائية المصغّرة، يحتاج إلى وضوح في حيازة الأراضي، وسجل وطني فعّال، ومستثمرين مستعدين لتحمّل المخاطر السياسية، وهذه عناصر غير متوفرة على نطاق واسع في السودان اليوم. عضوية تحالف شرق أفريقيا وتقديم المستوى المرجعي للغابات يثبتان أن الفرق التقنية السودانية لا تزال قادرة على أداء العمل. لكنهما لا يثبتان أن الحكومة السودانية قادرة حاليًا على إبرام الصفقة.
لماذا يهم هذا القارئ
بالنسبة للجهات المانحة والشركاء الإقليميين في التحالف، الدرس المستفاد من مشروع مواقد دارفور وتقديم المستوى المرجعي للغابات في زمن الحرب هو أن “المتضرر من النزاع” و”الجاهز لسوق الكربون” ليسا وصفين متنافيين، وهو تمييز سيحتاجه مجتمع المستثمرين المشارك في قمة CMAS 2026 نفسه -وبعضهم ممثّل عبر “غرفة صفقات الطبيعة” التي تستضيفها منظمة الأمم المتحدة للبيئة (يونيب)- إذا أرادوا الوصول المبكر إلى سوق قبل أن يزدحم. أما بالنسبة للحكومة السودانية ووزاراتها الفنية، فالرسالة أكثر إلحاحًا: بيانات الغابات والانبعاثات التي تستوفي معايير اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لها “عمر افتراضي”، والمستوى المرجعي الذي اكتمل في مطلع 2026 يبقى أصلًا حيًّا فقط طالما استطاع أحد بناء خط مشروعات وسجل وطني وعرض موجّه للمستثمرين حوله. كل دورة من دورات CMAS تمرّ غيابًا للسودان هي دورة تُثبّت فيها غانا وكينيا ورواندا علاقاتها مع هيئات المعايير ووكالات التصنيف والمشترين، ما يجعل الدخول لاحقًا أصعب وأكثر تكلفة. أدّت الفرق التقنية السودانية أصعب جزء من العمل بالفعل، أي الاستمرار في الإبلاغ خلال الحرب باستخدام منهجية ساتلية مبتكرة أثارت إعجاب مراجعي فاو أنفسهم. أما المتابعة المؤسسية والمالية فهي الجزء الذي يتطلب السلام، أو على الأقل آلية جسر من التحالف والجهات المانحة، تتعامل مع غياب السودان عن كيغالي باعتباره مشكلة قابلة للحل، لا أمرًا محسومًا سلفًا.
الخاتمة
ستقضي قمة CMAS 2026 ثلاثة أيام في أكتوبر وهي تسأل ما الذي يجعل مشروعًا كربونيًا أفريقيًا قابلًا للتمويل. وبيانات السودان نفسه، عضوية تأسيسية في التحالف، ومشروع مواقد فعّال، ومنهجية ساتلية اختُبرت في زمن الحرب ووصفتها فاو بأنها رائدة، تمثّل جزءًا من تلك الإجابة موجودًا بالفعل على الطاولة. ما ينقص هو من يجلس في الغرفة ليطرح القضية.
أُعدّ هذا المنشور من خلال منظومة 3Bi الآلية للنشر اليومي التي ترصد التغطية الإقليمية والدولية لشؤون المناخ.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للممولين، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
على السودان أن يحجز مقعده الآن، بينما لا يزال "الصندوق الأخضر العربي" قيد التصميم
الصندوق الأخضر العربي لتمويل التكنولوجيا المناخية لا يزال قيد التصميم قبل قمة كوب 31 - على السودان أن يحجز مقعده الآن، بينما لا تزال القواعد مفتوحة.
على السودان التوجّه مباشرة إلى التحالفات المصرية التي تبني غيغاواطات على الحدود
على وزارة الطاقة والنفط السودانية فتح مفاوضات مباشرة مع التحالفات المصرية التي تبني حاليًا سدًا في تنزانيا ومحطة في المجر ومحطة أخرى في السعودية، لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء…
انقطاع الكهرباء أسقط رئيس مدغشقر.. وشبكة السودان تسير على النهج ذاته
أطاحت انتفاضة مدغشقر الناجمة عن انقطاع الكهرباء عام 2025 برئيس. يواجه السودان اليوم المعادلة ذاتها بين سقف الأسعار وشركة المرافق، ولا يستطيع تحمل الجدول الزمني الذي استغرقه نموذج…