شبكتا الجزائر وتونس كادتا تنهاران بسبب الحرارة وحدها هذا الصيف.. والسودان يعيد بناء شبكته من الصفر ولا يملك ترف تكرار نفس الخطأ
الحرارة وحدها كادت تُسقط شبكتي الجزائر وتونس هذا الصيف. إعادة إعمار السودان الشمسية يجب أن تُصمَّم للصمود المناخي الآن.

الحرارة وحدها كادت تكسر شبكتي كهرباء الجزائر وتونس هذا الصيف. السودان، الذي يعيد بناء شبكته المتضررة من الحرب حول الطاقة الشمسية، يجب أن يصمم للصمود المناخي الآن، لا لاحقًا.

في 15 يوليو 2026، تسبَّب عطل واحد وُصف بأنه “استثنائي” في منشأة كهربائية بمنطقة سيدي عقبة، بولاية بسكرة الجزائرية، في انقطاع التيار عن 16 ولاية — من بينها الجزائر العاصمة، قسنطينة، تيزي وزو، وغرداية — بعد ساعات فقط من تسجيل البلاد أعلى طلب كهربائي في تاريخها، 21,870 ميغاواط، في ظل موجة حر دفعت درجات الحرارة في المناطق الصحراوية إلى 49 درجة مئوية (Moroccan World News، 22 يوليو 2026؛ وكالة الأنباء الجزائرية APS، 16 يوليو 2026). وبعد أسبوعين، في تونس المجاورة، بدأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) فرض قطع دوري للتيار وصل إلى 18 ساعة متواصلة في ولاية بنزرت، مع بلوغ الطلب رقمًا قياسيًا عند 6 غيغاواط، وارتفاع الحرارة إلى ما يفوق 49 درجة مئوية؛ وقدّرت نقابة الأطباء الشبان عدد الوفيات المرتبطة بموجة الحر بما بين 150 و200 حالة (فرانس 24، 31 يوليو 2026؛ ذا نيوأراب، 3 أغسطس 2026).
لا يعيش أيّ من البلدين حربًا. وكلاهما يملك مرافق كهرباء وطنية تعمل، واحتياطيات من العملة الصعبة، بل تملك الجزائر واحدًا من أكبر أساطيل توليد الكهرباء العاملة بالغاز في أفريقيا. ومع ذلك، كانت الحرارة والحرائق كفيلتين بشلّهما لأيام متواصلة. أما السودان، الذي استوعبت شبكته الكهربائية أضرارًا بلغت نحو 3 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ويجري إعادة بناؤها هذا العام بالاعتماد الأساسي على الطاقة الشمسية الموزّعة، فهو على أعتاب اتخاذ قرارات التصميم التي ستحدد ما إذا كان سيرث الهشاشة نفسها، أم سيصمم شبكته لتفاديها منذ البداية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، دراسة سلسلة قيمة الطاقة الشمسية، مايو 2026).
الحجة
أولًا، الحرارة وحدها باتت كافية لكسر شبكة كهرباء تُدار بكفاءة.. من دون حرب أو تخريب. لم يكن الحريق سبب انقطاع الكهرباء في الجزائر؛ فقد تعطّلت منشأة في سيدي عقبة تحت وطأة طلب قياسي على التبريد، تزامن مع موجة حر مرتفعة الرطوبة، وامتد أثر العطل إلى 16 ولاية قبل أن يعيد المهندسون التيار عبر عمليات موازنة الأحمال عند الساعة الرابعة فجرًا (Horizons، يوليو 2026؛ وكالة الأنباء الجزائرية، 16 يوليو 2026). وتكرّرت القصة نفسها في تونس على مدى أسابيع: قطعت STEG التيار بشكل دوري ومقصود لمنع ذروة الطلب من إسقاط الشبكة بأكملها (فرانس 24، 31 يوليو 2026). والحالتان معًا، ببساطة، معاينة مبكرة لما يتحول إلى واقع معتاد؛ إذ يشير تحليل نشرته منصة الطاقة (attaqa.net) في 14 أغسطس 2026 عن حرائق وموجات حر هذا الصيف، نقلًا عن الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، إلى أن 18% من الشبكة الكهربائية العالمية بات معرّضًا سنويًا لأكثر من 200 يوم مما يُعرف بـ”طقس الحرائق” — وهي ظروف يكاد معها اشتعال الحريق وانتشاره السريع أن يكون أمرًا حتميًا (منصة الطاقة، 14 أغسطس 2026، نقلًا عن الوكالة الدولية للطاقة).
ثانيًا، العلاقة بين الحرائق والمناخ وقطاع الطاقة تسير في الاتجاهين معًا، وهي تهدد تحديدًا الطاقة الشمسية.. التقنية التي يُبنى عليها تعافي السودان. فالبنية التحتية للطاقة ليست ضحية لهذه الحلقة فحسب، بل هي أحد أسبابها أيضًا؛ إذ اندلع 10 من أعنف 20 حريقًا في تاريخ ولاية كاليفورنيا بسبب أعطال في معدّات كهربائية (منصة الطاقة، 14 أغسطس 2026). وحين تندلع الحرائق فعلًا، فإن الدخان المتصاعد منها يقلّص إنتاج الطاقة الشمسية القريبة بشكل ملموس: إذ وجدت أبحاث أجرتها جامعة كولورادو الحكومية، ونُشرت في مجلة Nature Communications، أنه خلال موجات الحرائق الكبرى، ينخفض الإشعاع الأفقي الكلي — وهو المورد الأساسي الذي تعتمد عليه الألواح الشمسية التقليدية — بنسبة تتراوح بين 11% و17% بالقرب من الحرائق النشطة، بينما ينخفض الإشعاع المباشر العمودي، الذي تعتمد عليه أنظمة الطاقة الشمسية المركِّزة، بنسبة تتراوح بين 32% و42%. والسودان ليس الجزائر أو تونس؛ فهو ليس حاليًا بلدًا معرّضًا لحرائق الغابات بالقدر نفسه. لكنه يشارك الشطر الآخر من المعادلة — حرارة متطرفة ومتصاعدة تدفع الطلب إلى ذرى مفاجئة، تمامًا كما حدث في الجارتين هذا الصيف — وهو يبني تعافيه على نحو غير متوازن حول تقنية توليد واحدة أثبتت الأبحاث أنها تتراجع كفاءتها تحت هذا النوع من الضغط.
ثالثًا، السودان يتخذ قرارات تصميم شبكته الآن، بينما اتخذت الجزائر وتونس قراراتهما قبل عقود. وهذه هي الفرصة بعينها. فقد دمّرت الحرب في السودان ما يُقدَّر بنحو 40% من القدرة التوليدية الوطنية السابقة، بما في ذلك سد مروي ومحطة الأُبيّض الحرارية، وتموّل جهات مانحة — من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومرفق البيئة العالمي — شبكات كهرباء شمسية موزّعة صغيرة ومنشآت صحية تعمل بالطاقة الشمسية، بوصفها بديلًا مؤقتًا، ودائمًا في بعض المواضع (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، بيان صحفي، 26 مايو 2026). وكل مشروع من هذه المشروعات، قيد التصميم والتمويل الآن، فرصة لإدراج القدرة على الصمود المناخي كشرط أساسي لا كخيار إضافي — من اختيار مواقع تتجنب مناطق الجزر الحرارية المعروفة، إلى تخزين بالبطاريات مصمَّم لامتصاص ذرى الطلب المفاجئة لا لمجرد سدّ فجوات الانقطاع، إلى معايير توريد تأخذ في الحسبان انخفاض كفاءة الألواح والمحوّلات مع الحرارة في مناخ السودان — بدلًا من إضافتها لاحقًا بعد خمس سنوات، حين يتكرر نوع العطل المتسلسل الذي أصاب سيدي عقبة في شبكة صغيرة تغذي مستشفى في الفاشر أو كسلا.
لماذا يهم القارئ
إن كنت جهة مانحة أو شريك تنفيذ يموّل مشروعات شمسية في السودان الآن، فهذا ليس خطرًا افتراضيًا يُذكر في ملحق فرعي، بل مواصفة تصميمية يمكنك إدراجها في وثائق التوريد لهذا العام بتكلفة إضافية شبه معدومة. أما إضافة القدرة على الصمود لاحقًا، بعد أن تُركَّب الشبكة الصغيرة وتعتمد عليها عيادة أو مضخة مياه، فتكلفتها أعلى بكثير، وغالبًا ما لا تحدث إلا بعد أن يكون عطل ما قد كلّف أرواحًا بالفعل. وإن كنت تعمل داخل وزارة الطاقة والنفط السودانية أو مرفق كهرباء على مستوى ولاية، فالدرس المستفاد من بسكرة وبنزرت هو أن ذرى الطلب المدفوعة بالحرارة لا تحتاج شبكة كبيرة أو مركزية لتضربها؛ فعقدة واحدة محمَّلة فوق طاقتها يمكن أن توقف الخدمة عبر منطقة واسعة — وهو بالضبط نمط العطل نفسه الذي يمكن أن تنتجه شبكة صغيرة سيّئة التخطيط إن عوملت البطاريات وإدارة الأحمال بوصفها كماليات لا عناصر تصميم أساسية.
الخاتمة
ستُمضي الجزائر وتونس السنوات المقبلة في تحصين شبكات بُنيت أصلًا لمناخ لم يعد قائمًا. أما السودان فيقف في موقع أصعب وأندر في آن: إنه يبني شبكة كهرباء للمرة الأولى منذ جيل كامل، في اللحظة ذاتها التي بات فيها المناخ الذي سيرهقها ظاهرًا بوضوح في بيانات انقطاع الكهرباء لدى جارة له. وهذا ليس عبئًا، بل الميزة الحقيقية الوحيدة التي تملكها عملية إعادة الإعمار على عملية الترميم اللاحق — وهي ميزة تنغلق في اللحظة التي تُحسَم فيها قرارات التوريد الجارية الآن من دون مراعاتها.
أُنتِج هذا المقال عبر سير عمل 3Bi للنشر اليومي الآلي، الذي يرصد التقارير المناخية الإقليمية والدولية.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للممولين، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
تنزانيا شغّلت للتو 2115 ميغاواط بتمويل ذاتي كامل.. والسد يقع داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو
افتتحت تنزانيا رسميًا مشروع سد جوليوس نيريري الكهرومائي بقدرة 2115 ميغاواط في 22 أغسطس 2026، بتمويل ذاتي كامل، داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو.
شبكة الكهرباء السودانية تُنقَذ محطةً محطة.. لكن الحل الحقيقي مصدر ثانٍ للتيار
أزمة شبكة الكهرباء في السودان مشكلة اعتماد على مصدر واحد لا مشكلة قدرة توليدية فقط. إصلاح محطة شندي، وخطط شمسية جديدة، واهتمام استثماري أذربيجاني تكشف تحول التنويع الجاري…
السعودية وقّعت للتو 1.16 مليار دولار لبطاريات الشبكة في إعلان واحد.. وممولو السودان ما زالوا يشترون التخزين منحةً تلو الأخرى
وقّعت السعودية للتو 1.16 مليار دولار لتخزين 2000 ميغاواط من الكهرباء عبر مشترٍ واحد مجمّع. برامج التخزين الممولة من المانحين في السودان ما زالت تُشترى مشروعًا تلو الآخر…