الجفاف ضرب حزام الذرة في السودان.. والموسم الشتوي هو الفرصة الثانية، فلتُخطَّط مياهه وكهرباؤه الآن
الأمطار خذلت الزراعة المطرية هذا العام؛ وخطة لتوزيع مياه النيل والكهرباء على الموسم الشتوي لا تكاد تكلّف شيئًا

أضرّت أمطار «النينيو» الضعيفة بحزام الذرة المطرية في السودان، فصار الموسم الشتوي المروي الفرصة الثانية لمحصول هذا العام. ونطالب وزارتي الزراعة والطاقة بنشر خطة مشتركة للمياه والكهرباء لهذا الموسم خلال 30 يومًا.
فريق 3Bi للأبحاث | ورقة سياسات | 7 أكتوبر 2026
المطلب
على وزارة الزراعة والري ووزارة الطاقة والنفط في السودان أن تُصدرا، خلال الـ30 يومًا المقبلة، خطة مشتركة للمياه والكهرباء للموسم الشتوي 2026/2027، تحدد كمية مياه الخزانات التي يمكن لكل منطقة مروية أن تعتمد عليها، ومحطات الضخ التي تحظى بالأولوية في الإمداد الكهربائي، ومشروعات الضخ بالطاقة الشمسية التي سيُسرَّع تنفيذها. فقد خذلت الأمطار جزءًا كبيرًا من حزام الذرة المطرية، وأصبح الموسم الشتوي أرخص فرصة متاحة أمام السودان لتعويض جزء من محصول هذا العام. إعداد الخطة لا يكاد يكلّف شيئًا، أما غيابها فيعني أن مياه النيل الشحيحة والكهرباء الشحيحة ستُوزَّعان كيفما اتفق، بعد أن يكون المزارعون قد حسموا قرارات الزراعة.
لماذا الآن
في 5 أكتوبر 2026، حذّرت سبع منظمات إنسانية دولية، بالتعاون مع قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش في السودان، من أن الأشهر الأربعة المقبلة قد تحدد ما إذا كانت أزمة الجوع في السودان ستتفاقم في 2027. وأشارت إلى أن الأمطار الضعيفة وغير المنتظمة، وتفاقم الجفاف المرتبط بظاهرة «النينيو»، يهددان موسم الحصاد الرئيسي الممتد تقريبًا من أكتوبر 2026 إلى يناير 2027، ولفتت إلى أن نحو 29 مليون شخص يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المجلس النرويجي للاجئين، بيان صحفي مشترك، 5 أكتوبر 2026؛ المجلس الدنماركي للاجئين، 5 أكتوبر 2026). وقالت مزارعة من كاس في جنوب دارفور: «زرعنا مرتين، ولم ينمُ شيء كما ينبغي» (المجلس النرويجي للاجئين، 5 أكتوبر 2026).
والبيانات الرسمية تقول الشيء نفسه. فقد جاء موسم الأمطار (يونيو – سبتمبر) بهطول دون المتوسط في معظم المناطق الزراعية، وتربط منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ذلك بظاهرة «النينيو» الجارية. وفي ولايتي سنار والقضارف، اللتين تنتجان معًا نحو ربع إنتاج السودان من الذرة الرفيعة، المحصول الغذائي الرئيسي، جاءت الأمطار الموسمية أقل من المتوسط طويل الأجل بنحو 20% و30% على التوالي. وبحلول سبتمبر، أظهر مؤشر الإجهاد الزراعي لدى الفاو جفافًا شديدًا في ما يصل إلى 55% من الأراضي المزروعة في سنار وما يصل إلى 70% في القضارف (موجز الفاو القُطري للسودان، النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر، 24 سبتمبر 2026). كما يفيد تقرير المخاطر الصادر عن مركز التنبؤ المناخي الأمريكي للفترة 1–7 أكتوبر بعجز في الأمطار يتجاوز 100 ملم على مدى 90 يومًا في غرب السودان وجنوبه، وبتدهور الغطاء النباتي بفعل الجفاف في غرب البلاد (مركز التنبؤ المناخي التابع للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، توقعات المخاطر في أفريقيا، 1–7 أكتوبر 2026).
والنافذة المتاحة هي موسم الري الشتوي الذي يجري التحضير له الآن. إذ تقول توقعات مبادرة حوض النيل للفترة أكتوبر – ديسمبر 2026 إن على السودان أن «لا يتوقع انفراجًا يُذكر» وأن «يواصل التخطيط لاستمرار شح المياه». وتتوقع المبادرة أن يواصل النيل الأزرق والنيل الرئيسي انحسارهما الموسمي اعتبارًا من أكتوبر، وأن يتراجع نهرا الدندر والرهد نحو مستويات التدفق المنخفض، وأن يرتفع الطلب على مياه الري مع استعداد المزارعين للموسم الشتوي (مبادرة حوض النيل، التوقعات الهيدرولوجية الموسمية لأكتوبر – ديسمبر 2026، سبتمبر 2026). وفي 6 أكتوبر 2026، أكد وزير الطاقة والنفط، خلال ترؤسه الاجتماع الدوري لقطاع الكهرباء، اهتمام الوزارة بتوفير الطاقة من البدائل لإنجاح الموسمين الزراعيين الشتوي والصيفي، ووجّه إدارة الطاقات المتجددة بالتنسيق مع الولايات لحصر المشروعات المقترحة التي تعتمد على الطاقة الشمسية، تمهيدًا لتوفير الضمانات وفق قانون الكهرباء الجديد (الحاكم نيوز، 6 أكتوبر 2026). وهذه القائمة هي نقطة الانطلاق الطبيعية لأي خطة.
الأدلة
أولًا، محصول الزراعة المطرية تضرر بالفعل، ولذلك يحمل الموسم الشتوي هذا العام وزنًا أكبر من المعتاد. فقد اكتملت زراعة محاصيل الحبوب لعام 2026 في منتصف أغسطس، على أن يبدأ حصادها في نوفمبر. وأضرّت الأمطار الضعيفة بإنبات المحاصيل وتثبيتها، وتركّز أكبر عجز في المناطق الزراعية بجنوب شرق البلاد (الفاو، 24 سبتمبر 2026). ودخل السودان هذا الموسم من قاعدة ضعيفة أصلًا: فقد بلغ الإنتاج الوطني من الحبوب في 2025 نحو 5.2 مليون طن، أي أقل بنحو 22% من إنتاج 2024 وبنحو 19% من متوسط السنوات الخمس السابقة، وفق بعثة تقييم المحاصيل والإمدادات الغذائية التي تقودها الحكومة. ويُتوقع أن تبلغ احتياجات الاستيراد لعام 2026 نحو 2.8 مليون طن، معظمها من القمح، فيما تبدي الفاو شكوكًا في قدرة البلاد المالية واللوجستية على تأمينها (الفاو، 24 سبتمبر 2026). وكل طن من القمح أو الخضر يُزرع بالري هذا الشتاء هو طن لن يضطر السودان إلى شرائه من الخارج بعملة صعبة لا يملكها.
ثانيًا، المياه المتاحة للموسم الشتوي محدودة، وبيانات النيل تثبت ذلك. ففي محطة الخرطوم على النيل الأزرق ومحطة الحلفاية على النيل الرئيسي، جاءت مناسيب المياه في يوليو وأغسطس 2026 أدنى من معدلاتها الطبيعية بنحو 1 إلى 4 أمتار. وفي الخرطوم، أثّر الانخفاض الاستثنائي في منسوب النهر على مضخات السحب في محطات رئيسية لمياه الشرب وأدى إلى توقفها مؤقتًا، فيما لم يرتفع الدندر والرهد إلا ارتفاعًا طفيفًا (مبادرة حوض النيل، توقعات أكتوبر – ديسمبر 2026). وقد رصدت وسائل إعلام سودانية النمط نفسه في يوليو، مع خروج محطات مياه جنوب أم درمان وفي بحري عن الخدمة بسبب انحسار النيل الأزرق (شبكة مراسلين، 22 يوليو 2026). وتوصي مبادرة حوض النيل السودان صراحةً بتحسين تشغيل الخزانات لصون المياه اللازمة للري في موسم الجفاف ولمياه الشرب وتوليد الكهرباء، وبإعطاء الأولوية لكفاءة توزيع المياه خلال موسم الري الشتوي، وبتركيز التخطيط على «إدارة التخزين في سنة جفاف بدلًا من الاستجابة للفيضانات» (مبادرة حوض النيل، توقعات أكتوبر – ديسمبر 2026). هذه دعوة صريحة إلى خطة لتوزيع المياه، ولم تنشر أي جهة خطة كهذه حتى الآن.
ثالثًا، كلفة تشغيل المضخات بالديزل قفزت، مما يجعل الضخ بالطاقة الشمسية إجراءً لتعزيز الصمود لا ترفًا. تفيد الفاو بأن متوسط سعر الديزل على المستوى الوطني تضاعف تقريبًا بين مارس وأغسطس 2026، ليصبح في أغسطس أعلى من ضعف مستواه قبل عام، ما رفع تكاليف الإنتاج والنقل (الفاو، 24 سبتمبر 2026). وكانت محدودية الوقود وغيره من المدخلات وارتفاع أسعارها، وتراجع فرص الحصول على التمويل الزراعي، تعرقل الإنتاج بالفعل (الفاو، 24 سبتمبر 2026). وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الذرة الرفيعة إلى أكثر من الضعف في معظم الأسواق المرصودة بين يناير وأغسطس، وارتفعت أسعار الدخن بنسبة 77% (الفاو، 24 سبتمبر 2026). أي أن المزارع المروية التي تضخ بالديزل تواجه أعلى كلفة للمدخلات في اللحظة التي يكون فيها إنتاجها أشد ما يكون أهمية. وتوجيه وزير الطاقة في 6 أكتوبر بحصر مشروعات الطاقة الشمسية للزراعة يعترف بذلك (الحاكم نيوز، 6 أكتوبر 2026). والسؤال هو: هل تكتمل القائمة قبل الزراعة الشتوية أم بعدها؟
الرد على الحجة المضادة
أقوى اعتراض هو أن الخطة لا تصنع ماءً؛ فإن كان النيل منخفضًا فهو منخفض، ولن تغيّر وثيقة تصدر من بورتسودان أو الخرطوم ما يصل إلى القنوات. هذا صحيح، ولا ندّعي أن الخطة ستعوّض عجز هذا العام. لكن ما تغيّره الخطة هو مَن يحصل على المياه المتاحة، ومتى يعرف المزارعون ذلك. وتؤكد مبادرة حوض النيل أن مناسيب الأنهار المرصودة وتصريفات الخزانات، لا الأمطار وحدها، هي ما سيحدد التدفقات هذا الموسم، وأن القرارات التشغيلية يجب أن تستند إلى هذه الأرصاد (مبادرة حوض النيل، توقعات أكتوبر – ديسمبر 2026). فالمزارع الذي يعرف في أكتوبر كمية المياه التي يمكن أن يتوقعها مشروعه يستطيع أن يقرر ماذا يزرع وبأي مساحة، أما من يكتشف في يناير أن القناة جفّت فيخسر البذور والوقود والجهد، فضلًا عن المحصول.
واعتراض ثانٍ مفاده أن الضخ بالطاقة الشمسية أبطأ وأغلى من أن يُحدث فرقًا هذا الموسم. وهذا صحيح في جزء منه، ولذلك لا نوصي ببرنامج وطني للري بالطاقة الشمسية قبل ديسمبر. ما نوصي به هو أن تُكمل الوزارة القائمة التي وجّهت بإعدادها، وأن ترتّبها بحسب سرعة إنجاز كل مشروع، وأن تعلن صراحةً المشروعات التي ستُدعم هذا الموسم وتلك التي ستنتظر. فالقائمة القصيرة الواقعية تجذب التمويل من المانحين والقطاع الخاص أسرع من قائمة طويلة من الأمنيات، والضمانات التي تحدث عنها الوزير لا يمكن ترتيبها إلا لمشروعات محددة بالاسم.
واعتراض ثالث يرى أن المساعدات الغذائية، لا التخطيط الزراعي، هي الأهم الآن. التمويل الإنساني يبقى ضروريًا، ونداء 5 أكتوبر يطالب المانحين بمواصلته. لكن النداء نفسه يطالبهم أيضًا بالاستثمار في سبل العيش والنظم الغذائية التي تساعد على منع الجوع مستقبلًا (المجلس النرويجي للاجئين، 5 أكتوبر 2026). وخطة الموسم الشتوي هي الجزء من هذه الأجندة الذي تستطيع الوزارات السودانية تنفيذه بنفسها دون انتظار أحد.
ما توصي به 3Bi تحديدًا
أولًا، على وزارة الزراعة والري أن تنشر، بحلول مطلع نوفمبر 2026، خطة لتوزيع مياه الموسم الشتوي على المشروعات المروية الرئيسية، استنادًا إلى المخزون الحالي في الخزانات ومناسيب الأنهار المرصودة. وينبغي أن تحدد الخطة كمية المياه المتوقعة لكل مشروع، والمساحة المزروعة التي تكفيها، وترتيب خفض الإمداد إن تراجعت التدفقات أكثر. وعليها أن تأخذ بتوصية مبادرة حوض النيل بتقديم مياه الشرب والري في موسم الجفاف، وإدارة التخزين على افتراض أنها سنة جفاف.
ثانيًا، على وزارة الطاقة والنفط أن تُكمل، خلال المدة نفسها، قائمة مشروعات الطاقة الشمسية الزراعية التي وجّه بها الوزير في 6 أكتوبر، وأن تنشرها مرتبةً حسب الأولوية، بحيث تتقدّم المشروعات القادرة على توفير قدرة ضخ قبل ذروة احتياج المحصول الشتوي للمياه. وعلى الوزارة أن تعلن المشروعات التي ستحصل على ضمانات هذا الموسم وفق قانون الكهرباء الجديد.
ثالثًا، على الوزارتين الاتفاق على جدول قصير لأولويات الإمداد الكهربائي لمحطات ضخ الري خلال الموسم الشتوي، حتى يصل التحسن الذي يتوقعه وزير الطاقة في نوفمبر إلى المضخات التي تروي المحصول الشتوي.
رابعًا، على المانحين وقطاع الأمن الغذائي وسبل العيش أن يعدّوا الموسم الشتوي المروي جزءًا من أجندة حماية الحصاد التي طُرحت في 5 أكتوبر، بما في ذلك دعم البذور والوقود والضخ بالطاقة الشمسية في المشروعات التي تحددها خطة التوزيع.
خامسًا، ستتابع 3Bi ما إذا كانت خطة التوزيع والقائمة المرتبة لمشروعات الطاقة الشمسية قد نُشرتا، من خلال تحديثات مبادرة حوض النيل والفاو، والصحافة المتخصصة بالطاقة والزراعة بالعربية والإنجليزية. وسننشر متابعة بحلول نهاية ديسمبر 2026.
المصادر والتواصل
المصادر الأساسية: المجلس النرويجي للاجئين، «حصاد السودان في خطر فيما يواجه الملايين جوعًا متفاقمًا في 2027» (بيان صحفي مشترك صادر عن منظمات العمل ضد الجوع، وكير الدولية، والمجلس الدنماركي للاجئين، ولجنة الإنقاذ الدولية، والمجلس النرويجي للاجئين، وميرسي كور، ورؤية العالم الدولية – السودان، بالتعاون مع قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش في السودان)، 5 أكتوبر 2026؛ المجلس الدنماركي للاجئين، البيان نفسه، 5 أكتوبر 2026؛ منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر، «الموجز القُطري: جمهورية السودان»، 24 سبتمبر 2026 (عبر «ريليف ويب»)؛ مبادرة حوض النيل، «التوقعات والإرشادات الهيدرولوجية الموسمية لحوض النيل، موسم أكتوبر – نوفمبر – ديسمبر 2026»، سبتمبر 2026؛ مركز التنبؤ المناخي التابع للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، «توقعات المخاطر في أفريقيا، 1–7 أكتوبر 2026»؛ الحاكم نيوز، «وزير الطاقة يجتمع بقيادات الكهرباء يوجه بالاستمرار في تحسين الإمداد الكهربائي»، 6 أكتوبر 2026؛ شبكة مراسلين، «انحسار مناسيب النيل يهدد محطات المياه ومشاريع الري بالسودان»، 22 يوليو 2026. لأي استفسار منهجي أو لاقتراح تصحيح، يُرجى التواصل مع فريق الأبحاث في 3Bi عبر الموقع الإلكتروني 3bisudan.org.
أُعدّ هذا المنشور عبر سير العمل الآلي اليومي لمنشورات 3Bi، الذي يرصد التغطية الإقليمية والدولية المتعلقة بالمناخ والطاقة.
يُعدّ هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للجهات المانحة، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
إصدارات ذات صلة
لجنة الامتثال في اتفاق باريس سمّت ثلاث دول التزمت الصمت.. السودان ردّ، والمطلوب منه الآن موعد
سمّت لجنة الامتثال لاتفاق باريس ثلاث دول تجاهلت رسائلها بشأن مساهماتها المناخية الغائبة، والسودان ليس منها لأنه ردّ. وترى 3Bi أن على السودان، قبل COP31، أن يرسل إلى…
تعديل كيغالي يبلغ عامه العاشر بـ175 طرفًا.. وعلى السودان أن يصادق عليه قبل أن يجتمع أطراف بروتوكول مونتريال في كيغالي
بعد عشر سنوات على اعتماد تعديل كيغالي، صادق عليه 175 طرفًا من أصل 198 في بروتوكول مونتريال، وما زال السودان خارجه. ومع اجتماع الأطراف في كيغالي من 2…
مجلس صندوق التكيّف يجتمع في بون وأمامه 146.8 مليون دولار للموافقة عليها.. والسودان بلا مشروع خاص به
يجتمع مجلس صندوق التكيّف في بون من 19 إلى 23 أكتوبر وأمامه طلبات تمويل بقيمة 146.8 مليون دولار، منها مشروع بقيمة 30 مليون دولار في مثلث مانديرا. ولا…