شرق أفريقيا لا يحتاج شمس المغرب.. بل يحتاج تمويل دراسات الجدوى الذي حصلت عليه المغرب
موجز سياسات | فريق 3Bi للأبحاث | 29 يوليو 2026

منحة أمريكية بقيمة 5.7 مليون دولار فتحت الطريق أمام مشروع أمونيا خضراء بقيمة 4.5 مليار دولار في المغرب. شرق أفريقيا يملك موارد رياح وطاقة حرارية جوفية مماثلة، لكنه يفتقر إلى رأس مال التمويل المبكر هذا.
موجز سياسات | فريق 3Bi للأبحاث | 29 يوليو 2026 | التحليل السياسي والحلول السياسية لشأن السودان وشرق أفريقيا
المطلوب
على حكومات شرق أفريقيا وشركائها من الجهات المانحة أن تتوقف عن انتظار القطاع الخاص لتحمّل كامل تكلفة دراسات جدوى الهيدروجين الأخضر، وأن تموّل هذه الدراسات مباشرة، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة للتو في المغرب. فمنحة أمريكية واحدة بقيمة 5.7 مليون دولار تفتح الآن الطريق أمام مشروع أمونيا بقيمة 4.5 مليار دولار في الصحراء المغربية؛ وشرق أفريقيا يملك من موارد الرياح والطاقة الحرارية الجوفية ما يضاهي ذلك، لكنه يفتقر تقريبًا إلى رأس المال التمويلي المبكر الذي ينقل المشروع من الطموح إلى قابلية التمويل.
لماذا الآن
في 28 يوليو 2026، وقّعت وكالة التجارة والتنمية الأمريكية (USTDA) منحة بقيمة 5.7 مليون دولار مع تحالف “أورنكس” (ORNX) – الذي يضم شركة أورنكس الأمريكية إلى جانب شركة أكسيونا الإسبانية ونوردكس الألمانية – لتمويل دراسة جدوى في مرحلة ما قبل التصميم الهندسي الأساسي (pre-FEED) لمصنع أمونيا خضراء في مدينة العيون، بمنطقة الصحراء التابعة للمغرب (منصة الطاقة، 28 يوليو 2026؛ وأكدت الخبر منصة Morocco World News في التاريخ نفسه، نقلًا عن بيان رسمي لوكالة التجارة والتنمية الأمريكية). ومن المقرر أن ينتج المصنع، عند اكتماله، 560 ألف طن من الأمونيا سنويًا، بدعم من أكثر من 2 غيغاواط من طاقتي الرياح والشمس، و900 ميغاواط من وحدات التحليل الكهربائي، في إطار استثمار أوسع بقيمة 4.5 مليار دولار التزم به تحالف “أورنكس” في فبراير 2026 (منصة الطاقة، 28 يوليو 2026).
الرقم الأهم بالنسبة لشرق أفريقيا ليس 4.5 مليار دولار، بل 5.7 مليون دولار التي جاءت أولًا. فهذه المنحة هي التي حوّلت اتفاقية إطارية موقّعة إلى دراسة هندسية فعلية بمقاول محدد (شركة “كي بي آر”، إلى جانب جنرال إلكتريك فيرنوفا، وإلكتريك هيدروجين، وتيرابيز)، ومسار واضح نحو قرار استثمار نهائي. وحكومات شرق أفريقيا – كينيا وإثيوبيا وجيبوتي وغيرها من الدول التي تسعى لاستقطاب استثمارات الهيدروجين الأخضر استنادًا إلى موارد حرارة أرضية ورياح تضاهي مقومات الطاقة الشمسية في المغرب – ما زالت تفتقر إلى هذه الخطوة إلى حد كبير. ويرى هذا الموجز أن سد فجوة تمويل دراسات الجدوى، لا مطاردة تعهدات الاستثمار الكبرى، هو الأولوية السياسية الأكثر إلحاحًا للمنطقة الآن.
الأدلة
تدعم هذا التوصية ثلاثة أدلة رئيسة.
أولًا، تجربة المغرب تُظهر أن منح دراسات الجدوى هي ما يحوّل الإمكانات الطبيعية إلى قرارات استثمارية فعلية. تسعى المغرب لتطوير الهيدروجين الأخضر منذ سنوات، وخصصت نحو مليون هكتار من الأراضي للمشروعات المرتبطة به، لكن المنحة التي أعلنت عنها وكالة التجارة والتنمية الأمريكية هذا الأسبوع تُعد، بحسب الوكالة نفسها، أول دعم تقدّمه لمشروع هيدروجين أخضر في الأقاليم الصحراوية المغربية (منصة الطاقة، 28 يوليو 2026). وجاءت المنحة بعد أكثر من خمسة أشهر من توقيع الاتفاقية الإطارية الأساسية للمشروع (البالغة قيمتها 4.5 مليار دولار) في فبراير الماضي – ما يعني أن المشروع ظل بلا دراسة هندسية ممولة لأشهر، رغم التزام رعاة استثمار كبار به بالفعل. فإذا كان سوق ناضج مثل السوق المغربية بحاجة إلى منحة مخصصة للانتقال من اتفاقية إطارية إلى دراسة جدوى، فإن مشروعات شرق أفريقيا، الأقل نضجًا والأضعف من حيث الملاءة المالية للجهات الراعية والأطر التنظيمية، تحتاج إليها أكثر لا أقل.
ثانيًا، مقومات شرق أفريقيا من الموارد المتجددة الملائمة للهيدروجين مماثلة لمقومات المغرب، بل أفضل تنوعًا في بعض جوانبها. يقوم مشروع المغرب على رهان أحادي المصدر تقريبًا (الرياح والشمس). أما كينيا وإثيوبيا فتمتلكان طاقة حرارية جوفية أساسية (geothermal) إلى جانب الرياح والشمس، ما يقلل من تكاليف التخزين وتقلب الإنتاج التي تجعل جدوى وحدات التحليل الكهربائي أكثر صعوبة – وهي ميزة هيكلية وردت في دراسات جدوى سابقة لممرات الهيدروجين الأخضر في شرق أفريقيا، لكنها لم تستقطب بعد نوعًا من منح دراسات الجدوى الحكومية المباشرة المماثلة لما حصلت عليه العيون للتو.
ثالثًا، شكل الصفقة – وكالة ترويج تجاري ثنائية تموّل دراسة جدوى قبل قرار استثمار تحالف خاص – نموذج قابل للتكرار، لا حالة استثنائية. تأسست وكالة التجارة والتنمية الأمريكية أصلًا لتمويل الدراسات الفنية المبكرة التي تساعد مشروعات البنية التحتية في الأسواق الناشئة على استقطاب التمويل (Morocco World News، 28 يوليو 2026، نقلًا عن وصف الوكالة الرسمي لمهمتها). وهذه المهمة ليست مقصورة جغرافيًا على شمال أفريقيا، وتوجد أدوات مماثلة لدى جهات ثنائية ومتعددة الأطراف أخرى (وكالات ائتمان التصدير، ومؤسسات التمويل التنموي) سبق لحكومات شرق أفريقيا التعامل معها في قطاعات أخرى، لكن دون تطبيق منهجي مماثل على دراسات جدوى الهيدروجين والأمونيا تحديدًا.
الرد على الحجة المضادة
الاعتراض الأقوى هو أن ميزة المغرب ليست في الأساس متعلقة بمنح دراسات الجدوى، بل هي ميزة سياسية ولوجستية: تصنيف ائتماني سيادي مستقر، وحكومة أمضت سنوات في السعي لهذا النوع من الصفقات، وموانئ ذات عمق مياه ملائم، وعلاقة قوية مع واشنطن جعلت وكالة اتحادية أمريكية مستعدة للمبادرة أولًا. وبحسب هذا الطرح، يمكن لحكومات شرق أفريقيا أن تموّل كل دراسات الجدوى التي تريدها، ومع ذلك لن تكرر نتيجة المغرب، لأن العائق الحقيقي هو مناخ الاستثمار الأساسي، لا غياب الدراسة الهندسية.
هذا تحفظ منطقي، ولا يُنكر 3Bi أن تصور المخاطر السيادية، وجاهزية الموانئ والشبكة الكهربائية، عوامل مهمة إلى جانب تمويل دراسات الجدوى – فالمنحة وحدها لن تخلق قابلية التمويل حيث تغيب هذه الأساسيات. لكن الحجة المضادة تبالغ في استنتاجها: فهي تفترض أن أي مشروع طاقة مبكر في شرق أفريقيا لن يستقطب أبدًا منحة دراسة جدوى إلى أن يصبح مناخه الاستثماري شبيهًا بمناخ المغرب أولًا، وهو ما يخالف الطريقة التي عملت بها مؤسسات التمويل التنموي تاريخيًا في المنطقة مع بنية تحتية أخرى – ومن أوضح الأمثلة المضادة تخفيف مخاطر حفر الآبار الحرارية الجوفية في كينيا، حيث كان رأس المال المبكر الممول من الجهات المانحة، لا نضج مناخ الاستثمار مسبقًا، هو الشرط الذي مهّد لتدفق رأس المال الخاص لاحقًا. فتمويل دراسات الجدوى ليس بديلًا عن إصلاح مناخ الاستثمار؛ بل هو غالبًا الآلية التي تنتج بيانات المشروع القابل للتمويل، والتي تُبنى عليها حجة الإصلاح أمام المقرضين السياديين والخاصين أصلًا.
ما توصي به 3Bi تحديدًا
أولًا، على حكومات شرق أفريقيا الساعية فعليًا لاستقطاب استثمارات الهيدروجين الأخضر أن تحدد، خلال الربعين المقبلين، مشروعًا رائدًا واحدًا في كل دولة – يُفضّل أن يكون قد بلغ بالفعل مرحلة الاتفاقية الإطارية أو مذكرة التفاهم – وأن تتوجه إلى وكالة التجارة والتنمية الأمريكية، وأدوات مماثلة لدى الاتحاد الأوروبي، واليابان (JICA)، ومؤسسات التمويل التنموي الخليجية، طالبةً تحديدًا تمويل دراسة جدوى في مرحلة ما قبل التصميم الهندسي الأساسي، مستشهدة صراحة بمنحة العيون كسابقة مرجعية في طلبها.
ثانيًا، على الهيئات الإقليمية (مديرية الطاقة في جماعة شرق أفريقيا، وتحالف الهيدروجين الأخضر الأفريقي حيثما تشارك فيه الحكومات المعنية) أن تجمّع وتنشر قائمة قصيرة دائمة بمشروعات الهيدروجين والأمونيا في شرق أفريقيا التي بلغت مرحلة الاتفاقية الإطارية لكنها تفتقر إلى دراسة جدوى ممولة، لتوفير خط أنابيب جاهز لوكالات الترويج التجاري الثنائية بدلًا من إلزام كل حكومة بتقديم حجتها مشروعًا تلو الآخر.
ثالثًا، على الحكومات المانحة وأدوات التمويل المناخي متعددة الأطراف العاملة بالفعل في قطاع الطاقة بشرق أفريقيا أن تعامل منح دراسات الجدوى كبند مستقل وقابل للتتبع ضمن التزاماتها بالتمويل المناخي للمنطقة – منفصل عن أرقام تعهدات الاستثمار الكبرى – لأن هذا التمويل المبكر، لا تعهدات الاستثمار، هو ما تشير إليه أدلة هذا الموجز باعتباره العائق الفعلي أمام تقدّم المشروعات.
المصادر والتواصل
المصادر الأساسية: منصة الطاقة (attaqa.net)، 28 يوليو 2026، “إنتاج الأمونيا الخضراء في المغرب يحظى بمنحة 5.7 مليون دولار”، نقلًا عن وكالة بلومبرغ؛ وموقع Morocco World News، 28 يوليو 2026، “US Funds Feasibility Study for Large-Scale Laayoune Ammonia Plant”، نقلًا عن بيان رسمي لوكالة التجارة والتنمية الأمريكية. لأي استفسارات منهجية أو متابعة، يُرجى التواصل مع فريق 3Bi للأبحاث عبر 3bisudan.org.
تُنتَج هذه المنشورة بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للممولين، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
أُعدّت هذه المادة عبر منظومة 3Bi الآلية للمنشورات اليومية التي ترصد التغطية الإعلامية المناخية الإقليمية والدولية.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
تنزانيا شغّلت للتو 2115 ميغاواط بتمويل ذاتي كامل.. والسد يقع داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو
افتتحت تنزانيا رسميًا مشروع سد جوليوس نيريري الكهرومائي بقدرة 2115 ميغاواط في 22 أغسطس 2026، بتمويل ذاتي كامل، داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو.
شبكة الكهرباء السودانية تُنقَذ محطةً محطة.. لكن الحل الحقيقي مصدر ثانٍ للتيار
أزمة شبكة الكهرباء في السودان مشكلة اعتماد على مصدر واحد لا مشكلة قدرة توليدية فقط. إصلاح محطة شندي، وخطط شمسية جديدة، واهتمام استثماري أذربيجاني تكشف تحول التنويع الجاري…
السعودية وقّعت للتو 1.16 مليار دولار لبطاريات الشبكة في إعلان واحد.. وممولو السودان ما زالوا يشترون التخزين منحةً تلو الأخرى
وقّعت السعودية للتو 1.16 مليار دولار لتخزين 2000 ميغاواط من الكهرباء عبر مشترٍ واحد مجمّع. برامج التخزين الممولة من المانحين في السودان ما زالت تُشترى مشروعًا تلو الآخر…