أوروبا لا تستطيع التأمين ضد فاتورة مناخية بـ953 مليار دولار.. فكيف يُطلب من السودان أن يفعل ما عجزت عنه؟

فاتورة أوروبا المناخية بـ953 مليار دولار مؤمَّن عليها بالكاد بربعها. برنامج السودان لتمويل المخاطر المدعوم من المانحين ينتهي هذا العام في خضم الحرب - ولا سوق تأمين تستلم دروسه.

فاتورة كوارث المناخ في أوروبا بلغت 953 مليار دولار، والتأمين لا يغطي سوى ربعها رغم نضج السوق. برنامج «أدريفي» السوداني لتمويل مخاطر المناخ ينتهي هذا العام وسط الحرب. 3Bi تدعو صندوق FRLD إلى إعطاء الأولوية للمنح لا القروض للدول الهشة.

رسم توضيحي بسيط بالألوان الكحلي والذهبي لمظلة ذهبية تتساقط منها قطرات مطر فوق مخطط قارة أفريقيا، يرمز إلى فجوة الحماية التأمينية المناخية العالمية.
رسم توضيحي: فريق 3Bi للأبحاث

فريق أبحاث 3Bi

المطلوب

نطالب صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار (FRLD) والجهات المانحة الثنائية للسودان في مجال المناخ بتخصيص حصة ثابتة من الجولة الأولى لتمويل الصندوق – التي مهّد مجلس إدارته الطريق لها في مانيلا يومي 8 و10 يوليو 2026 (صندوق FRLD، 10 يوليو 2026) – للدول المتأثرة بالنزاعات وذات القدرة شبه المعدومة على التأمين المحلي، وفي مقدمتها السودان، على أن يكون هذا التخصيص في صورة منح لا قروض أو تمويل مشترك لأقساط تأمين.

لماذا الآن

يتقاطع أمران هذا العام، والفجوة بينهما هي جوهر القصة. أولًا، أفادت وحدة الأبحاث في منصة “الطاقة” (attaqa.net) في 18 أغسطس 2026 بأن كوارث المناخ كلّفت الاتحاد الأوروبي نحو 953 مليار دولار منذ عام 1980 – وأنه حتى داخل أنضج سوق تأمين مؤسسيًا في العالم، لم يُغطِّ التأمين سوى ربع هذه الأضرار تقريبًا، بل انخفضت النسبة إلى أقل من 5% في بعض الدول الأعضاء (attaqa.net، 18 أغسطس 2026، نقلًا عن الوكالة الأوروبية للبيئة والبنك المركزي الأوروبي). ثانيًا، تجربة السودان الخاصة على مدى خمس سنوات في هذا النوع بالذات من تمويل المخاطر – برنامج “أدريفي” (ADRiFi) الممول بمنحة 8.56 مليون دولار من صندوق التنمية الأفريقي، والمبني على التأمين ضد الجفاف عبر آلية القدرة الأفريقية للمخاطر – كانت مصممة لتمتد من 2022 إلى 2026 (بنك التنمية الأفريقي، 9 يوليو 2021)، وبالتالي تنتهي هذا العام، في خضم حرب أنهكت قدرة الدولة على نقل دروسها إلى مرحلة تالية.

فإذا كانت أوروبا – بأسواقها العاملة، وبنكها المركزي الذي يصمم فعليًا نظامًا مشتركًا لإعادة التأمين، وبدَينها الحكومي في منطقة اليورو البالغ 88.9% من الناتج المحلي الإجمالي والقادر على استيعاب الصدمات (attaqa.net، 18 أغسطس 2026، نقلًا عن يوروستات والبنك المركزي الأوروبي) – غير قادرة على سد فجوة تمويل التكيف عبر التأمين وآليات السوق وحدها، فإن نموذج التمويل القائم على الأقساط وتجميع المخاطر لم يكن يومًا الإجابة الأساسية المناسبة للسودان. يحتاج السودان أن تعلن الجولة الأولى من تمويل صندوق FRLD – المتوقع أن تبدأ في الموافقة على منح تتراوح بين 5 و20 مليون دولار اعتبارًا من يوليو 2026 (صندوق FRLD، الاطلاع بتاريخ 19 أغسطس 2026) – هذا الموقف صراحةً، قبل أن يُطبَّق عليه المنطق الإداري الافتراضي لـ”نقل المخاطر” و”أدوات التأمين” السائد في نقاش تمويل التكيف الأوسع، على بلد لا يملك القدرة على توليد الأقساط اللازمة للمشاركة فيه أصلًا.

الأدلة

أرقام أوروبا نفسها تدحض الاعتماد على التأمين. تقدّر الوكالة الأوروبية للبيئة الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة في الاتحاد الأوروبي بنحو 822 مليار يورو (953 مليار دولار) بين عامي 1980 و2024، منها 208 مليارات يورو (241 مليار دولار) – أي ما يقارب ربع إجمالي الأربعة وأربعين عامًا – سُجّلت خلال السنوات الأربع الأخيرة فقط (attaqa.net، 18 أغسطس 2026). ويقدّر البنك المركزي الأوروبي أن التأمين لا يغطي سوى ربع هذه الخسائر على مستوى الاتحاد، وأقل من 5% في بعض الدول الأعضاء، وهو ما اضطر ألمانيا إلى توفير 30 مليار يورو (34.7 مليار دولار) من المال العام بعد فيضانات 2021، وجعل فيضانات إسبانيا في 2024 – الأسوأ خلال خمسة عقود – تُكلّف ما يعادل 0.7 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في إعادة الإعمار حتى 2026 (attaqa.net، 18 أغسطس 2026). وتقدّر الوكالة الأوروبية للبيئة، بصورة منفصلة، أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استثمارات تكيف تتراوح بين 53 و137 مليار يورو سنويًا حتى 2050 في قطاعات النقل والطاقة والزراعة وحدها، في حين لا يتجاوز التمويل الملتزم به حاليًا 15 إلى 16 مليار يورو سنويًا (attaqa.net، 18 أغسطس 2026). واستجابة بروكسل لم تكن “مزيدًا من التأمين”، بل حزمة تُعدّها المفوضية الأوروبية لمعالجة فجوة التأمين متوقع اعتمادها بحلول نهاية 2026، ومقترح من البنك المركزي الأوروبي لنظام عام-خاص مشترك لإعادة التأمين على مستوى الاتحاد، واتجاه البرتغال نحو تأمين إلزامي على المنازل مدعوم بصندوق كوارث حكومي بدلًا من الاعتماد على السوق الخاصة وحدها (attaqa.net، 18 أغسطس 2026).

فجوة تمويل التكيف عالميًا أوسع، ومعظمها ديون. يُقدّر تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة “فجوة التكيف 2025” احتياجات التكيف في الدول النامية بما بين 310 و365 مليار دولار سنويًا بحلول 2035، مقابل تدفقات تمويل تكيف عامة دولية لم تتجاوز 26 مليار دولار في 2023 – بانخفاض عن 28 مليار دولار في 2022، وهو اتجاه معاكس تمامًا رغم اقتراب موعد التزام “ميثاق غلاسكو للمناخ” بمضاعفة تمويل التكيف بحلول 2025 (تقرير فجوة التكيف 2025، برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أكتوبر 2025). أي أن الفجوة بين الاحتياج والتدفق الفعلي تتراوح بين 12 و14 ضعفًا. والأنكى أن 58% مما يصل فعليًا يأتي في صورة قروض، بما فيها ائتمان غير ميسّر (تقرير فجوة التكيف 2025، أكتوبر 2025) – وهو هيكل تمويل لا تستطيع دولة مثقلة بديون الحرب الاستفادة منه.

فجوة أفريقيا أكثر حدّة، والسودان عند أسوأ نقطة فيها. تواجه أربعون دولة أفريقية فجوة استثمارية مجمعة قدرها 265 مليار دولار مقابل احتياجات تكيف بلغت 331 مليار دولار حددتها خططها المناخية الوطنية حتى 2030 (المعهد الهندي لأبحاث المراقبين ORF، الاطلاع بتاريخ 19 أغسطس 2026). وتقل نسبة انتشار التأمين في القارة عن 1%، وتخسر الدول الأفريقية ما يقدَّر بـ2 إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي سنويًا بسبب تداعيات المناخ، وتنفق بعضها حتى 9% من موازناتها الوطنية على الاستجابة للكوارث، بينما لا يتجاوز ما هو مؤمَّن عليه فعليًا من الخسائر المناخية 0.5% (المنتدى الاقتصادي العالمي؛ منصة “أفريكان ساستينابيليتي ماترز”، الاطلاع بتاريخ 19 أغسطس 2026). وكان برنامج “أدريفي” في السودان مُصمَّمًا ليكون نموذج القارة الأثبت لسد هذه الفجوة عبر التأمين القائم على مؤشرات محددة مسبقًا: ففي 2021 وقّعت الحكومة بوليصة تأمين على المحاصيل بقيمة 4.2 مليون دولار وأخرى على المراعي بقيمة 3 ملايين دولار مع آلية القدرة الأفريقية للمخاطر، بدعم من صندوق ائتماني متعدد المانحين موّلته بريطانيا وسويسرا لتغطية الأقساط (بنك التنمية الأفريقي، 9 يوليو 2021). وينتهي هذا البرنامج الخماسي هذا العام في ظل أضرار حرب بلغت حتى 3 مليارات دولار لحقت بشبكة الكهرباء في السودان منذ أبريل 2023، شملت فقدان نحو 40% من القدرة التوليدية السابقة – من بينها سد مروي ومحطة الأُبيّض الحرارية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – السودان، 26 مايو 2026، تم التحقق منها سابقًا). ولا يوجد اليوم قطاع تأمين محلي فاعل يمكن أن تُسلَّم إليه دروس هذا البرنامج التجريبي.

الرد على الرأي المخالف

الاعتراض الأقوى هو أن أدوات التأمين القائم على مؤشرات وتجميع المخاطر مثل آلية القدرة الأفريقية للمخاطر لا يُقصد بها استبدال المنح، بل جعل أموال المنح ودعم الأقساط الشحيحة تذهب أبعد، عبر نقل المخاطر المتكررة والقابلة للتنبؤ (كموسم حصاد سيئ) خارج ميزانية الحكومة، وتحرير المنح للمخاطر الكارثية غير المتوقعة التي تُسعّرها أسواق التأمين بشكل ضعيف أو لا تُسعّرها إطلاقًا. وهذا وصف دقيق لما صُمم برنامج “أدريفي” فعليًا لتحقيقه، وقد عكس تصميم السودان الأصلي في 2021 ذلك: أقساط مدعومة من المانحين، لا مدفوعات تعويض ممولة من المانحين مباشرة. لكن الثغرة في هذا المنطق تكمن في القدرة المؤسسية لا في المفهوم ذاته. فأدوات التأمين المرتبطة بالمؤشرات لا تزال تتطلب حكومة نظيرة قادرة على إدارة مجمع مخاطر، وجمع البيانات الأساسية والإبلاغ عنها، والحفاظ على الاستمرارية المؤسسية اللازمة لتجديد بوليصة متعددة السنوات – وهي شروط لا تستطيع وزارة المالية والبنك المركزي في السودان ضمانها حاليًا في ظل نزاع نشط وسيطرة إقليمية مجزأة. وتجربة أوروبا نفسها تعزز هذا التمييز بدلًا من أن تُضعفه: فالبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية لا يقترحان استبدال الإنفاق المالي بالتأمين، بل بناء ضمانات عامة لأن التأمين الخاص وحده يُقصّر حتى حين لا تكون القدرة الإدارية موضع شك. ومشكلة السودان أعمق بخطوة من مشكلة أوروبا – فالقدرة الإدارية ذاتها هي ما دمّرته الحرب – وهذا بالتحديد ما يجعل التمويل بالمنح، لا الأدوات القائمة على الأقساط، هو ما يجب أن يحمل العبء الأكبر إلى أن يُعاد بناء تلك القدرة.

ما توصي به 3Bi تحديدًا

أولًا، ينبغي أن يخصّص مجلس إدارة صندوق FRLD حصة محددة – نقترح ألا تقل عن 15% – من غلافه التمويلي الأولي البالغ 250 مليون دولار للدول التي تعيش نزاعًا نشطًا أو في مرحلة ما بعد النزاع مباشرة، على أن يكون التقييم مبنيًا على شدة الوضع الإنساني والهشاشة المؤسسية، لا على بيانات قياس المخاطر التي تجعل هذه الظروف نفسها إنتاجها مستحيلًا، حتى لا يُستبعد السودان بسبب الهشاشة ذاتها التي أُنشئ الصندوق لمعالجتها.

ثانيًا، ينبغي أن تتقدّم جهات تنسيق المانحين الخاصة بالسودان – فريق الأمم المتحدة القطري في السودان، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، ومحفظة بنك التنمية الأفريقي في السودان – بطلب تمويل من صندوق FRLD في هذه الجولة، يقترح صراحة استخدام منحة للحفاظ على الأساس المؤسسي لبرنامج “أدريفي” بدلًا من استبداله: منهجية قياس المخاطر والعلاقة مع آلية القدرة الأفريقية للمخاطر التي بُنيت خلال 2022-2026، بحيث تكون هذه القدرة جاهزة لإعادة التفعيل حالما يصبح تمويل الأقساط ممكنًا مجددًا، بدلًا من إعادة بنائها من الصفر بعد انتهاء الحرب.

ثالثًا، ينبغي للجهات المانحة الثنائية الممولة لإعادة إعمار شبكة الكهرباء والطاقة في السودان – وهي الجهات نفسها التي رصدتها 3Bi وهي تتجه نحو تمويل تخزين البطاريات والشبكات الصغيرة خلال الأشهر الأخيرة – أن تتعامل مع هذا باعتباره مطلبًا واحدًا متكاملًا لا مطلبين منفصلين: فإعادة الإعمار المادي والقدرة على تمويل مخاطر المناخ استثمار واحد في جوهره، وتمويل أحدهما دون الآخر يترك السودان يعيد بناء شبكة كهرباء لا يزال عاجزًا عن التأمين عليها ضد الفيضان أو موجة الحر القادمة.

المصادر والتواصل

المصدر المحرّك الأساسي: منصة “الطاقة” (attaqa.net)، “فاتورة كوارث المناخ في أوروبا تقترب من تريليون دولار”، 18 أغسطس 2026، نقلًا عن الوكالة الأوروبية للبيئة والبنك المركزي الأوروبي ويوروستات. تم التوسّع عبر: تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة “فجوة التكيف 2025: نفاد الوقود”، أكتوبر 2025؛ المعهد الهندي لأبحاث المراقبين (ORF)، “تمويل التكيف المناخي في أفريقيا”، الاطلاع بتاريخ 19 أغسطس 2026؛ تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومنصة “أفريكان ساستينابيليتي ماترز” حول فجوة التأمين في أفريقيا، الاطلاع بتاريخ 19 أغسطس 2026؛ بيان صحفي لبنك التنمية الأفريقي حول برنامج “أدريفي” في السودان، 9 يوليو 2021؛ ودراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – السودان لسلسلة قيمة الطاقة الشمسية وبيانه الصحفي الصادر في 26 مايو 2026 بشأن أضرار الشبكة (تم التحقق منها سابقًا في منشورات 3Bi). للاستفسارات أو طلبات الشراكة: research@3bisudan.org


يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للممولين، يُرجى زيارة 3bisudan.org.

أُعِدّ هذا المنشور عبر نظام النشر اليومي الآلي لدى 3Bi، الذي يرصد التغطية الإعلامية الإقليمية والدولية المتعلقة بالمناخ.

الاقتباس المقترح: فريق 3Bi للأبحاث (2026). «أوروبا لا تستطيع التأمين ضد فاتورة مناخية بـ953 مليار دولار.. فكيف يُطلب من السودان أن يفعل ما عجزت عنه؟» 3Bi.

عن الكتّاب

منظر لسد وخزان مياه مشروع جوليوس نيريري الكهرومائي على نهر روفيجي في تنزانيا، بمناسبة الافتتاح الرسمي للمحطة بقدرة 2115 ميغاواط.
Report Climate & Energy

تنزانيا شغّلت للتو 2115 ميغاواط بتمويل ذاتي كامل.. والسد يقع داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو

افتتحت تنزانيا رسميًا مشروع سد جوليوس نيريري الكهرومائي بقدرة 2115 ميغاواط في 22 أغسطس 2026، بتمويل ذاتي كامل، داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو.

رسم توضيحي بالأزرق الداكن والذهبي لخريطة السودان مع شبكة كهرباء تعلوها، يرمز إلى توجه البلاد نحو تنويع مصادر الطاقة.
Analysis Climate & Energy

شبكة الكهرباء السودانية تُنقَذ محطةً محطة.. لكن الحل الحقيقي مصدر ثانٍ للتيار

أزمة شبكة الكهرباء في السودان مشكلة اعتماد على مصدر واحد لا مشكلة قدرة توليدية فقط. إصلاح محطة شندي، وخطط شمسية جديدة، واهتمام استثماري أذربيجاني تكشف تحول التنويع الجاري…

رسم توضيحي لأيقونة تخزين بطاريات متصلة بخطوط دارة كهربائية، فوق عنوان الورقة الرئيس
Paper Climate & Energy

السعودية وقّعت للتو 1.16 مليار دولار لبطاريات الشبكة في إعلان واحد.. وممولو السودان ما زالوا يشترون التخزين منحةً تلو الأخرى

وقّعت السعودية للتو 1.16 مليار دولار لتخزين 2000 ميغاواط من الكهرباء عبر مشترٍ واحد مجمّع. برامج التخزين الممولة من المانحين في السودان ما زالت تُشترى مشروعًا تلو الآخر…