Analysis Climate & Energy

مصر أثبتت أن الطاقة النووية الأفريقية يمكن أن تنتقل من الطموح إلى الإسمنت المسلّح.. وقطاع الطاقة الشمسية في السودان يحتاج الانضباط المؤسسي نفسه، الآن

أثبتت محطة الضبعة النووية المصرية أن نجاح المشاريع الطاقوية الأفريقية الكبرى يرتبط بتسلسل الحوكمة لا برأس المال وحده. وقطاع الطاقة الشمسية المتعثر في السودان يحتاج الانضباط المؤسسي نفسه — الآن، لا بعد انتهاء الحرب.

رسم تجريدي بألوان الأزرق الداكن والذهبي والرمادي يُظهر برجًا تخطيطيًا لمفاعل نووي على قاعدة ذهبية صلبة مكتوب عليها 'الحوكمة أولاً'، بجانب شبكة ألواح شمسية على قاعدة رمادية متقطعة مكتوب عليها 'الحوكمة غائبة'، في إشارة إلى درس تسلسل الحوكمة الذي يمكن لقطاع الطاقة الشمسية في السودان استعارته من مشروع الضبعة النووي المصري.

قدّمت محطة الضبعة النووية المصرية للتو أوضح إجابة حتى الآن عن سؤال يُلاحق التخطيط الطاقوي الأفريقي منذ عقد: لماذا تتعثر مشاريع طاقة طموحة كثيرة ولا تغادر مرحلة التصميم أبدًا؟ وفق تقرير لموقع “إي إس آي أفريكا” حول مؤتمر “إنليت أفريكا” (مايو/أيار 2026)، نقلته منصة الطاقة “الطاقة” (29 أغسطس/آب 2026)، جرى تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى في الضبعة العام الماضي — وهي خطوة تضع مشروعًا بتمويل روسي من “روساتوم” تفوق قيمته 23 مليار دولار، يضم 4 مفاعلات بقدرة إجمالية 4800 ميغاواط، على مسار توفير نحو 12% من كهرباء مصر بحلول عام 2030. أبدت 22 دولة أفريقية اهتمامًا بالطاقة النووية، لكن لا تكاد أي منها تقترب من موقع مصر. والفارق، بحسب الرئيس التنفيذي لشركة “روساتوم” جنوب أفريقيا رايان كولير، لم يكن المال ولا الرغبة، بل أن القاهرة وضعت قواعد الحوكمة — بما فيها فصل واضح بين المالك والمشغّل والهيئة التنظيمية — قبل وصول أي مكوّن من مكونات المفاعل إلى الموقع. وهذا الدرس نفسه في التسلسل المؤسسي، على نطاق أصغر بكثير وبعائد أسرع، هو تحديدًا ما يفتقده قطاع الطاقة الشمسية في السودان.

الحجة الرئيسية

أولًا، تُظهر تجربة الضبعة أن نجاح مشاريع الطاقة الأفريقية الكبرى مرتبط بتسلسل الحوكمة، لا بحجم رأس المال وحده. تُعد الطاقة النووية أصعب اختبار ممكن لهذا المبدأ: فـ”نهج المراحل” الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، المذكور في تقرير “إي إس آي أفريكا”، يتعامل مع أي برنامج نووي وطني بوصفه التزامًا مؤسسيًا لا يقل عن 100 عام، يستلزم بناء بنية تحتية “صلبة” (استقرار الشبكة، القدرات التقنية) وأخرى “ناعمة” (قوانين تنظيمية، هيئات ترخيص، أطر تمويلية) بترتيب مدروس قبل بدء البناء. وهذا ما فعلته مصر بالضبط: كان الفصل بين المالك والمشغّل والهيئة التنظيمية قائمًا قبل بدء أعمال الحفر. أما جنوب أفريقيا، في المقابل، فلا تملك سوى محطة واحدة عاملة هي “كويبرغ”، وأمضت سنوات دون أن تحوّل طموحاتها المعلنة لوحدات إضافية إلى ما يقارب إنجازات الضبعة، وفق وقائع المؤتمر نفسه. والدرس يتجاوز الطاقة النووية بكثير: المؤسسات، لا الحماس، هي ما يحوّل هدفًا طاقويًا إلى قدرة إنتاجية فعلية على الأرض.

ثانيًا، يتعثر قطاع الطاقة الشمسية في السودان بسبب المشكلة نفسها من حيث النوع، لكن بجزء يسير من التكلفة والتعقيد. دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) صدرت في 18 مايو/أيار 2026 وجدت أن حرب السودان — التي قلّصت الاقتصاد بأكثر من 40% وألحقت أضرارًا بشبكة الكهرباء بلغت 3 مليارات دولار — دفعت الأسر والمزارع والمنشآت الصغيرة نحو الطاقة الشمسية بوصفها مصدر الطاقة الموثوق الوحيد المتاح لها، مع تصاعد الطلب عليها منذ مطلع عام 2024. لكن الدراسة تنص صراحة على أن العائق ليس التقنية ولا الرغبة، بل ليس المال أساسًا أيضًا: إنه غياب البنية المؤسسية. فواردات الألواح الشمسية تواجه تأخيرات تمتد لأشهر في بورتسودان؛ والرسوم التعسفية على مستوى الولايات والمخاطر الأمنية تعطّل النقل الداخلي؛ ولا توجد وكالة مخصصة للطاقة المتجددة تضع المعايير وتنسّق القطاع؛ ولا يحصل المستوردون على ضمانات ائتمان تجاري تقيهم مخاطر تقلّب العملة في اقتصاد تضاعفت فيه التكلفة المحلية لمنظومة شمسية أكثر من أربع مرات؛ كما يؤدي تدفق مكونات رديئة الجودة إلى تآكل ثقة المستهلك التي يحتاجها أي سوق للتوسّع. هذه فجوات حوكمة من الشكل نفسه الذي عطّل طموحات جنوب أفريقيا النووية — لكنها أصغر حجمًا وأقل تكلفة لسدّها، وأكثر إلحاحًا بكثير، إذ تفقد العيادات حاليًا القدرة على تبريد اللقاحات ويفقد المزارعون قدرتهم على الري.

ثالثًا، ما يحتاج السودان إلى استعارته من تجربة الضبعة هو مبدأ التسلسل، لا التقنية نفسها ولا حجم رأس المال. لا أحد يقترح أن يحتاج السودان حزمة تمويل على طراز “روساتوم” أو أفقًا مؤسسيًا يمتد قرنًا كاملًا؛ فجاذبية الطاقة الشمسية بالأساس أنها رخيصة، وسريعة النشر، وقابلة للتوسّع التدريجي. لكن التوصيات التي تضمّنتها دراسة الأمم المتحدة الإنمائي نفسها — وكالة مخصصة للطاقة المتجددة، وإجراءات جمركية مبسّطة، وضمانات ائتمان تجاري، وبوابة وطنية لبيانات السوق — هي عمليًا النسخة السودانية من فصل المالك عن المشغّل عن الهيئة التنظيمية الذي أطلق مشروع الضبعة: الحد الأدنى من البنية المؤسسية التي يجب أن تتوفر قبل أن يتحوّل المال والمعدات إلى قدرة إنتاجية مركّبة وصيانة مستدامة على نطاق واسع. وتوثّق الدراسة أيضًا نموذجًا واعدًا وسودانيًا خالصًا لهذا المنطق ينشأ عضويًا بالفعل: نموذج مجتمعي يُبنى على شراكة سابقة لما قبل الحرب بين الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء ومؤسسات التمويل الأصغر والتعاونيات المحلية (الأحياء)، من شأنه توفير شبكات كهربائية مصغّرة تديرها المجتمعات المحلية، بتمويل متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وسداد عبر أنظمة الدفع المسبق للعدادات، دون الحاجة إلى دفعات مقدّمة كبيرة من الأسر. وهذا ابتكار في الحوكمة ينمو من القاعدة، في خضم الحرب — وهو تحديدًا نوع اللبنة المؤسسية التي أمضت مصر سنوات في تجميعها قبل أن يبدأ بناء الضبعة.

لماذا يهم القارئ

بالنسبة لصانعي السياسات السودانيين والجهات المانحة الممولة لتخطيط إعادة الإعمار، تحمل مقارنة الضبعة دلالة عملية قريبة المدى: عناصر “البنية الناعمة” في دراسة الأمم المتحدة الإنمائي — الوكالة المخصصة للطاقة المتجددة، وإصلاح الجمارك، وآلية ضمانات الائتمان التجاري — لا ينبغي التعامل معها كمطالب من الدرجة الثانية تنتظر استقرار ما بعد الحرب أو اكتمال تمويل صندوق الطوارئ للطاقة الشمسية أولًا. إنها الشرط المسبق لتحويل ذلك التمويل إلى منظومات طاقة عاملة أصلًا، تمامًا كما كان العمل المؤسسي المصري الشرط المسبق لتحوّل رأسمال “روساتوم” إلى مفاعل عامل فعليًا. أي مؤتمر مانحين أو وزارة تموّل ألواحًا شمسية ومدفوعات من صندوق الطوارئ دون أن تموّل وتوظّف أيضًا الوكالة التنسيقية التي أوصت بها الأمم المتحدة الإنمائي، تكرّر الخطأ نفسه الذي أبقى 21 من أصل 22 دولة أفريقية مهتمة بالطاقة النووية عالقة في مرحلة الطموح. الحوكمة ليست مكافأة على ضبط التمويل — إنها الآلية التي تجعل التمويل يعمل أصلًا.

الخاتمة

مصر لم تتفوق على بقية القارة بالإنفاق على الطاقة النووية، بل تفوّقت بترتيب الخطوات: بنت القواعد قبل أن تبني المفاعل. وأمام وزارة الطاقة والنفط السودانية وشركائها الدوليين اليوم مخطط جاهز، من إعداد الأمم المتحدة الإنمائي، للتسلسل المكافئ في مجال الطاقة الشمسية. والقصة التي تستحق أن تُكتب بعد عام من الآن ليست إنجازًا جديدًا للضبعة في مصر، بل قيام وكالة سودانية للطاقة المتجددة قبل حلول موسم الجفاف المقبل — في أثناء الحرب، لا بعد انتهائها.


أُنتِج هذا المقال عبر سير عمل النشر اليومي الآلي لدى 3Bi، الذي يرصد التغطية الإقليمية والدولية للمناخ والطاقة.

يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للجهات الممولة، يُرجى زيارة 3bisudan.org.

عن الكتّاب