موريتانيا تصبح قوة أفريقيا الجديدة في الهيدروجين الأخضر.. والسودان خارج السباق تمامًا

مسح جديد يظهر أن موريتانيا تستضيف 3 من أكبر 10 مشروعات هيدروجين عربية بقيمة 77.5 مليار دولار، بينما لا يظهر السودان -رغم موارده الشمسية المماثلة- في القائمة إطلاقًا.
فريق 3Bi للأبحاث
المدخل
كشف مسح نشرته اليوم منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، ونقلته “الطاقة” (attaqa.net) في 3 أغسطس/آب 2026، عن أكبر 10 مشروعات هيدروجين وأمونيا في الوطن العربي. وبعيدًا عن الأسماء الكبرى مثل مشروع نيوم السعودي ومصنع الأمونيا الزرقاء القطري، تتصدّر موريتانيا -بعدد سكان لا يتجاوز 4.9 مليون نسمة- القائمة من حيث حجم الاستثمارات؛ إذ تستضيف 3 من أصل 10 مشروعات، بقيمة إجمالية تبلغ 77.5 مليار دولار. أما السودان، الذي يمتلك موارد شمسية توازي أو تفوق موارد موريتانيا، فلا يظهر في القائمة إطلاقًا.
هذه الفجوة ليست تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر مبكر على من سيتصدّر تصدير وقود المستقبل، ومن سيبقى خارج المشهد.
الحجة
رهان موريتانيا الثلاثي. يفصّل مسح “الطاقة” (3 أغسطس/آب 2026) ثلاثة مشروعات موريتانية عملاقة. أولها مشروع “أمان” الذي تطوّره شركة “سي دبليو بي غلوبال” (CWP Global)، ويستهدف إنتاج 1.7 مليون طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا (أو 10 ملايين طن من الأمونيا الخضراء) من 30 غيغاواط من طاقتَي الشمس والرياح، بتكلفة تناهز 40 مليار دولار؛ وتؤكد بيانات منظمة الهيدروجين الأخضر العالمية (GH2)، بحسب اطلاع “3Bi” بتاريخ 3 أغسطس/آب 2026، أن المشروع بلغ الآن مرحلة التفاوض المتقدم على اتفاقية الدولة المضيفة، متجاوزًا مرحلة مذكرة التفاهم الأولية، مع استهداف إنتاج أول كمية من الهيدروجين في وقت مبكر يصل إلى عام 2027. أما المشروع الثاني، فيقوده تحالف ألماني-مصري-إماراتي يضم شركات “كونجنكتا” و”إنفينيتي” و”مصدر”، بميزانية 34 مليار دولار على مساحة 8600 كيلومتر مربع (برًا وبحرًا)، ويستهدف إنتاج 8 ملايين طن من الأمونيا الخضراء سنويًا ابتداءً من مرحلته الأولى في 2028. أما المشروع الثالث، “نور”، الذي تديره شركة “شاريوت” البريطانية، فيهدف إلى إنتاج أرخص هيدروجين أخضر في أفريقيا موجَّه للأسواق الأوروبية، من طاقة إجمالية 10 غيغاواط، بتكلفة معتدلة نسبيًا تبلغ 3.5 مليار دولار. ولا تستضيف أي دولة عربية أخرى أكثر من مشروعين ضمن القائمة؛ إذ يبلغ إجمالي التزام موريتانيا نحو ضعف ما تستقطبه مصر، ثاني أكبر متلقٍّ للاستثمارات.
غياب السودان بنيوي لا عرَضي. السودان دولة “حزام شمسي” تنعم بأكثر من 300 يوم مشمس سنويًا، وبإشعاع شمسي يتراوح بين 5.5 و7.5 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا -أرقام تُضاهي إلى حد بعيد مواقع موريتانيا ومصر التي تستقطب حاليًا عشرات المليارات من استثمارات الهيدروجين. ومع ذلك، لا تزال مصادر الطاقة المتجددة، باستثناء الطاقة الكهرومائية، توفّر أقل من 1% من شبكة الكهرباء السودانية، ولا تزال أكبر محطة طاقة شمسية في البلاد بقدرة 10 ميغاواط فقط. وتُرجع دراسة حول قطاع الطاقة المتجددة في السودان (الركابي وآخرون، مجلة Engineering Reports، 2025) هذا التعثر مباشرة إلى النزاع؛ إذ تعطّلت أو تأجّلت مشروعات بالقرب من مناطق القتال الفعلي، بينما تواجه المشروعات في الولايات الأكثر استقرارًا ضعفًا في البنية التحتية للشبكة، وحماية استثمارية هشّة، وغياب إطار تنظيمي واضح يسمح لمطوّري الطاقة المتجددة والهيدروجين واسعة النطاق بالدخول. والمستثمرون الذين يخططون لإنتاج أول كمية هيدروجين بحلول 2027-2028 لن ينتظروا انتهاء الحرب في السودان قبل تثبيت اتفاقيات الشراء في أماكن أخرى؛ فهم بالفعل فعلوا ذلك.
نافذة الفرصة تنغلق ولا تبقى مفتوحة. تُبنى ممرات تصدير الهيدروجين الأخضر حول بنية تحتية ثابتة -أنابيب وموانئ وخطوط ربط كهربائي بأوروبا- تستغرق عقدًا أو أكثر لتحديد مواقعها وتمويلها. ويُظهر مسح “الطاقة” الأوسع النمط نفسه خارج موريتانيا: فقد استقطبت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في مصر وحدها اتفاقيات تفوق قيمتها 31 مليار دولار، وتستحوذ الآن على 85% من مشروعات الهيدروجين في البلاد، بينما يتفاوض مشروع “الطاقة الخضراء العمانية” على قرار استثمار نهائي بشأن 25 غيغاواط من الطاقة المتجددة. وبمجرد أن تُثبّت موريتانيا ومصر وعُمان اتفاقيات الدول المضيفة وعقود الشراء ومسارات الأنابيب قيد التفاوض حاليًا، تكون خريطة الممرات لعقد الثلاثينيات قد رُسمت فعليًا. والسودان هنا لا يتنافس على حصة أبطأ من الفرصة ذاتها، بل يواجه خطر تفويت نافذة تحديد مواقع البنية التحتية بالكامل، ما قد يستبعده من المشهد لجيل كامل بصرف النظر عن سرعة استقراره السياسي. والسابقة الإقليمية لا تبعث على التفاؤل من ناحية الجداول الزمنية: فمشروع الأمونيا الزرقاء القطري، المدرَج أيضًا ضمن قائمة “الطاقة”، كان من المقرر أن يدخل الخدمة في الربع الثاني من 2026، لكنه تأجّل إلى أجل غير مسمى بسبب الحرب الدائرة في المنطقة الأوسع -وهو تذكير بأن حتى المشروعات جيدة التمويل تخسر سنوات بسبب عدم الاستقرار، وأن ساعة السودان بدأت تدور متأخرة عن الجميع في هذه القائمة.
لماذا يهم القارئ
إذا كنت تعمل في مجال السياسة الاقتصادية السودانية، أو التخطيط للانتقال الإنساني، أو تنسيق المانحين، فالإغراء القائم هو التعامل مع الاستثمار في قطاع الطاقة بوصفه مشكلة ما بعد النزاع -أمرًا يُؤجَّل إلى حين سكوت البنادق. لكن هذا المسح يكشف أن هذا التسلسل معكوس. فرأس المال الذي يتدفق حاليًا إلى موريتانيا ومصر لا ينتظر استقرار المنطقة؛ بل يُوزَّع الآن، في 2026، وفق منطق “السبّاق الأول”. وأي حكومة سودانية انتقالية أو مستقبلية تنتظر الاستقرار الكامل قبل الشروع في بناء إطار تنظيمي واستثماري جاهز للهيدروجين، ستجد أن أكثر الممرات والشركاء والتمويلات جاذبية في المنطقة قد حُجزت بالفعل.
الخاتمة
لا يحتاج السودان إلى مضاهاة التزام موريتانيا البالغ 77.5 مليار دولار كي يبقى في هذا السباق، بل يحتاج إلى إشارة تنظيمية موثوقة، تُرسَل الآن، بأن سودان ما بعد النزاع سيكون جاهزًا لاستقبال رساميل الطاقة المتجددة والهيدروجين فور توفر الظروف. ويعني ذلك صياغة الإطار القانوني والترخيصي بالتوازي مع الانتقال السياسي، لا بعده، واستخدام القنوات الدبلوماسية لإرسال إشارة إلى مطوّري الهيدروجين الذين يستكشفون بالفعل مواقع في شرق أفريقيا والبحر الأحمر بأن السودان ينوي أن يكون وجهة، لا فكرة لاحقة. والبديل هو عقد كامل يُقضى في مشاهدة الجيران يوقّعون صفقات كانت جغرافيا السودان نفسها مؤهَّلة تمامًا للفوز بها.
أُعدَّت هذه المادة عبر منظومة النشر اليومي الآلي في 3Bi، التي تراقب التقارير الإقليمية والدولية المتعلقة بالمناخ والطاقة.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لمنظمة 3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للممولين، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
المصادر: “الطاقة” (attaqa.net)، “أكبر 10 مشروعات هيدروجين عربية (مسح)”، 3 أغسطس/آب 2026؛ منظمة الهيدروجين الأخضر العالمية (GH2)، صفحة موريتانيا، بحسب الاطلاع في 3 أغسطس/آب 2026؛ الركابي وآخرون، “Renewable Energy in Sudan: Current Status and Future Prospects”، مجلة Engineering Reports، 2025؛ Energy Capital & Power، “Mauritania, CWP Global sign deal for green hydrogen project”، بحسب الاطلاع في 3 أغسطس/آب 2026.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
تنزانيا شغّلت للتو 2115 ميغاواط بتمويل ذاتي كامل.. والسد يقع داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو
افتتحت تنزانيا رسميًا مشروع سد جوليوس نيريري الكهرومائي بقدرة 2115 ميغاواط في 22 أغسطس 2026، بتمويل ذاتي كامل، داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو.
شبكة الكهرباء السودانية تُنقَذ محطةً محطة.. لكن الحل الحقيقي مصدر ثانٍ للتيار
أزمة شبكة الكهرباء في السودان مشكلة اعتماد على مصدر واحد لا مشكلة قدرة توليدية فقط. إصلاح محطة شندي، وخطط شمسية جديدة، واهتمام استثماري أذربيجاني تكشف تحول التنويع الجاري…
السعودية وقّعت للتو 1.16 مليار دولار لبطاريات الشبكة في إعلان واحد.. وممولو السودان ما زالوا يشترون التخزين منحةً تلو الأخرى
وقّعت السعودية للتو 1.16 مليار دولار لتخزين 2000 ميغاواط من الكهرباء عبر مشترٍ واحد مجمّع. برامج التخزين الممولة من المانحين في السودان ما زالت تُشترى مشروعًا تلو الآخر…