نهر الراين انقسم إلى نصفين بسبب الجفاف.. وتوقعات النيل لعام 2026 تقول إن السودان ومصر سيتحملان العبء الأكبر
جفاف قياسي يضغط على أهم شبكة لوجستية في أوروبا. توقعات مبادرة حوض النيل الرسمية لعام 2026 تحذّر من أن السودان ومصر سيتحملان أسوأ الضغط الهيدرولوجي هذا الموسم.

جفاف قياسي يشلّ الملاحة في نهر الراين الأوروبي، بينما تحذّر توقعات مبادرة حوض النيل الرسمية لعام 2026 من أن السودان ومصر سيتحملان أكبر قدر من المخاطر الهيدرولوجية هذا الموسم.

n
في 14 أغسطس 2026، انخفض منسوب مياه نهر الراين إلى أقل من 10 سنتيمترات عند بلدة كاوب، أضيق نقطة عبور في أهم ممر ملاحي داخلي لألمانيا، وهو أدنى مستوى قياسي أدى فعليًا إلى انقسام أهم نهر ملاحي في أوروبا إلى نصفين (منصة الطاقة – attaqa.net، 18 أغسطس 2026، نقلًا عن إس آند بي غلوبال). لا تزال السفن قادرة على الوصول إلى كولونيا وأجزاء الراين السفلى، لكن جنوب تلك النقطة، لا يمكن سوى لعدد محدود من السفن الخفيفة المصممة خصيصًا أن تُبحر أصلًا. قفزت تكاليف الشحن من مركز أمستردام-روتردام-أنتويرب إلى بازل إلى 276.67 يورو للطن في 14 أغسطس، مقارنة بـ35 يورو فقط في 3 يونيو (بيانات منصة سبوتبارج، عبر attaqa.net، 18 أغسطس 2026). أبلغت 4 مناطق في شرق فرنسا عن نقص في وقود السيارات. واضطرت ألمانيا إلى تعليق حظر سير الشاحنات أيام الأحد في 16 أغسطس لمجرد إبقاء عمليات التوريد مستمرة، رغم أن قطار شحن واحدًا ينقل ما يعادل حمولة 52 شاحنة (بحسب تقديرات شركة السكك الحديدية الألمانية “دويتشه بان”، عبر attaqa.net). وحذّر بنك آي إن جي من أن انخفاض المنسوب قد يقتطع 0.3 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الألماني هذا العام.
كل هذا يحدث لأحد أغنى الأنهار وأكثرها تطويرًا هندسيًا على وجه الأرض، في منطقة أنفقت سبع سنوات ومليارات اليوروهات للتكيّف مع أزمة جفاف الراين السابقة عام 2018. ومع ذلك، لم يكن كافيًا.
والآن، انظروا إلى النيل. في يونيو 2026، نشرت مبادرة حوض النيل -الهيئة التي تضم عشر دول وتنسّق الرصد الهيدرولوجي عبر الحوض- توقعاتها الرسمية لموسم الأمطار الممتد من يونيو إلى سبتمبر، وهو الفترة التي تُغذّي معظم التدفق السنوي للنهر. وجاء في نص التقرير نفسه: “الدول الواقعة في أسفل المجرى -وتحديدًا السودان ومصر- ستتحمّل أكبر قدر تراكمي من المخاطر الناجمة عن العجز الهيدرولوجي في أعالي النهر”. وتضيف مبادرة حوض النيل أن ظروف هذا العام “تشبه إلى حد كبير” سنوات الجفاف القوية المرتبطة بظاهرة النينيو في 1997 و2023.
الحجة
أولًا، النهران لا يواجهان الأزمة بالطريقة نفسها، ونسخة النيل أصعب هندسيًا. مشكلة الراين اتجاه واحد بطيء الحركة: مياه أقل، بتكرار أكبر، ولفترة أطول. تستطيع أوروبا التخطيط لذلك -وإن بصورة غير مثالية- عبر سفن تتحمّل انخفاض المنسوب، وقدرة سكك حديدية، وخزانات احتياطية. أما توقعات السودان لعام 2026 فليست اتجاهًا واحدًا. تتوقع مبادرة حوض النيل هطول أمطار موسمية أقل من المعدل الطبيعي إلى قريبة منه في السودان إجمالًا، مع احتمالات في أعالي النهر لهطول أمطار دون المعدل تتجاوز 60% وتصل إلى نحو 80% في أجزاء من المرتفعات الإثيوبية التي تغذّي النيل الأزرق، بينما تحذّر في الوقت نفسه من استمرار خطر “الفيضانات القصيرة المفاجئة” والسيول المحلية في أكثر مناطق السودان هشاشة: ولاية النيل الأزرق، وكسلا، والقضارف، وسنار، والخرطوم. على السودان أن يُصمّم بنيته التحتية لمواجهة خطري الجفاف والفيضان في آن واحد، وفي الموسم نفسه. وهذه مشكلة أصعب فعليًا من تلك التي تعجز ألمانيا حاليًا عن حلّها بالكامل، رغم دولة فاعلة، وشركة سكك حديدية وطنية، وقدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال.
ثانيًا، يُطلب من السودان بناء “المرونة” عبر بنية تحتية أنهكتها الحرب أصلًا. تُسمّي توقعات مبادرة حوض النيل سد مروي تحديدًا ضمن أصول توليد الكهرباء المهددة بسبب ظروف التدفق هذا العام، وهو أكبر سدود السودان وأحد المصادر القليلة للكهرباء التي نجت نسبيًا من الأضرار المبكرة للنزاع. وتشير تقارير مستقلة إلى أن الحرب ألحقت خسائر بلغت نحو 40% من إجمالي قدرة توليد الكهرباء في السودان منذ أبريل 2023 (المجلس الشرق أوسطي للشؤون العالمية، نقلًا عن معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، 23 فبراير 2026). وحين ينخفض تدفق النيل الأزرق دون المعدل هذا العام ويضغط على إنتاج سد مروي، فإن ذلك لا يقع على شبكة كهرباء سليمة تملك قدرة احتياطية لامتصاص الخسارة، بل على شبكة فقدت بالفعل ما يقارب نصف إمداداتها الوطنية.
ثالثًا، لا يملك السودان وقت الإنذار المبكر الذي تملكه أوروبا، والعام الماضي أثبت ذلك. جزء مما مكّن ألمانيا من تعليق حظر سير الشاحنات وإعادة توجيه الشحنات، وإن بصورة غير كاملة، هو أن الوكالات الأوروبية تابعت انخفاض منسوب الراين لأسابيع ونشرت توقعات يومية عبر هيئات الأرصاد الجوية والمائية الوطنية. أما أكثر أحداث الفيضان ضررًا في السودان خلال عام 2025 فوقع بإنذار يكاد يكون معدومًا: ففي سبتمبر، أطلقت إثيوبيا مياهًا من سد النهضة الإثيوبي الكبير من دون إخطار السودان أو مصر، فغمرت الفيضانات قرى على ضفاف النيل الأزرق -من بينها الدمازين والروصيرص- قبل أن يتلقى السكان أي إنذار (معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، 23 فبراير 2026، نقلًا عن تقارير شبكة عطر). ولم يصدر تحذير الفيضان في الخرطوم ذلك الشهر إلا بعد أن غمرت المياه بالفعل قرى في ولاية الجزيرة. وتتضمن توصيات مبادرة حوض النيل لهذا الموسم “تبادل البيانات الهيدرومناخية العابرة للحدود وتبادل المعلومات في الوقت الفعلي بين دول حوض النيل” -وهي طريقة تقنية ومهذبة لوصف الثغرة ذاتها التي تسببت في كارثة السودان قبل نحو سبعة أشهر فقط، في سبتمبر الماضي.
لماذا يهم هذا القارئ
إذا كنتم تموّلون أو تصمّمون إعادة إعمار قطاعي الطاقة والمياه في السودان، فإن الدرس المستفاد من أزمة الراين هذا العام ليس أن “مخاطر المناخ سيئة” -فالجميع يعرف ذلك أصلًا. الدرس هو أن مجرد أزمة جفاف أحادية الاتجاه، في منطقة غنية ومستقرة، تكاد تكون غير قابلة للإدارة بالنسبة لأحد أفضل الأنظمة النهرية تجهيزًا في العالم. أما السودان فيُطلب منه إدارة نسخة أصعب وثنائية الاتجاه من المشكلة نفسها -خطر الجفاف وخطر الفيضان المفاجئ في الموسم نفسه، وفي الأحواض نفسها- عبر شبكة كهرباء أنهكتها الحرب، وخط أنابيب إعادة إعمار لا يزال قيد التشكّل، ومن دون إنذار مبكر موثوق حين تحرّك دول الجوار في أعالي النهر مياهها، كما ثبت في سبتمبر الماضي. أي مشروع إعادة إعمار ممول من الجهات المانحة لشبكة نقل الكهرباء من سد مروي، وأي شبكة كهرباء صغيرة أو مشروع ري جديد يُموَّل في ممر النيل الأزرق أو القضارف أو كسلا، وأي تحرك دبلوماسي حول التعاون في حوض النيل، ينبغي أن يتعامل مع الوصول إلى البيانات الهيدرولوجية في الوقت الفعلي -وليس البنية التحتية المادية وحدها- باعتباره جزءًا أساسيًا من تمويل إعادة الإعمار، لا إضافة لاحقة. أدوات الإنذار المبكر الخاصة بالسودان التي تُسمّيها مبادرة حوض النيل صراحة (مثل Sudan-IBF وSudan-FFEWS) موجودة بالفعل؛ والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت مؤسسات السودان تملك الكوادر والكهرباء والدعم الدولي اللازم لتشغيلها فعليًا في خضم الحرب.
الخاتمة
تملك ألمانيا خطوط سكك حديدية، وحكومة فاعلة، ومليارات اليوروهات، ومع ذلك لا يزال نهر الراين يقتطع جزءًا من نمو ناتجها المحلي هذا العام. أما السودان فلا يملك لا القدرة الاحتياطية ولا أنظمة الإنذار المبكر التي تعتمد عليها أوروبا حاليًا -وعلماء حوض النيل أنفسهم يقولون إن السودان ومصر سيتحملان أسوأ ما يحمله هذا الموسم. مخططات شبكة الكهرباء وأنظمة الري في السودان لما بعد الحرب لا تزال قيد الرسم. هذا هو العام المناسب لبناء هذا التذبذب الحاد بين الجفاف والفيضان في صلب تلك المخططات، لا الجفاف وحده، ولا الفيضان وحده.
أُعدّت هذه المادة عبر سير العمل الآلي اليومي لمنشورات 3Bi، الذي يرصد التغطية الإعلامية الإقليمية والدولية المتعلقة بالمناخ.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للجهات الممولة، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
تنزانيا شغّلت للتو 2115 ميغاواط بتمويل ذاتي كامل.. والسد يقع داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو
افتتحت تنزانيا رسميًا مشروع سد جوليوس نيريري الكهرومائي بقدرة 2115 ميغاواط في 22 أغسطس 2026، بتمويل ذاتي كامل، داخل موقع مصنّف تراثًا عالميًا لليونسكو.
شبكة الكهرباء السودانية تُنقَذ محطةً محطة.. لكن الحل الحقيقي مصدر ثانٍ للتيار
أزمة شبكة الكهرباء في السودان مشكلة اعتماد على مصدر واحد لا مشكلة قدرة توليدية فقط. إصلاح محطة شندي، وخطط شمسية جديدة، واهتمام استثماري أذربيجاني تكشف تحول التنويع الجاري…
السعودية وقّعت للتو 1.16 مليار دولار لبطاريات الشبكة في إعلان واحد.. وممولو السودان ما زالوا يشترون التخزين منحةً تلو الأخرى
وقّعت السعودية للتو 1.16 مليار دولار لتخزين 2000 ميغاواط من الكهرباء عبر مشترٍ واحد مجمّع. برامج التخزين الممولة من المانحين في السودان ما زالت تُشترى مشروعًا تلو الآخر…