Analysis Climate & Energy

"مُسرّع الشبكات" الأممي الجديد وسيط تعارف لا طوق نجاة.. والسودان يحتاج تمويلاً لا تعريفاً بالمستثمرين

شبكة الكهرباء في السودان تنهار، والحل العالمي الجديد تعريفٌ بالمستثمرين لا تمويل.

أطلقت الأمم المتحدة مُسرّع الشبكات العالمي لتسريع الاستثمار في شبكات الكهرباء، لكنه لا يحمل تمويلاً جديداً ويقوم على برنامج لا ينتمي إليه السودان. السودان يحتاج تمويلاً جسرياً الآن، لا خط أنابيب مشاريع آخر يمتد لسنوات.

رسم تجريدي بالأزرق الداكن والذهبي لشبكة كهربائية يظهر فيها خط ربط مقطوع، رمزًا لانهيار شبكة الكهرباء في السودان.

المدخل

في 23 سبتمبر 2026، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال قمة الأمم المتحدة للمناخ في نيويورك، إطلاق “مُسرّع الشبكات الكهربائية العالمي” (Global Grids Accelerator)، واصفًا شبكات الكهرباء بأنها “شرايين التحول في الطاقة” (غوتيريش، قمة الأمم المتحدة للمناخ، 23 سبتمبر 2026). والفكرة بسيطة: الطاقة المتجددة تُبنى اليوم بوتيرة أسرع من قدرة الشبكات على نقلها، ولذلك ستتوسط الأمم المتحدة بين الحكومات وبنوك التنمية والمستثمرين لتسريع بناء هذه الشبكات. وهو نوع من الإعلانات التي تحظى عادة بالتصفيق خلال أسبوع الجمعية العامة، ثم تتلاشى من الأخبار خلال أيام. أما بالنسبة للسودان، حيث لا تتأخر الشبكة الكهربائية عن ركب الطاقة المتجددة فحسب، بل تتفكك فعليًا، فإن هذا الإعلان يستحق نظرة أكثر تمحيصًا – لأن ما لا تفعله هذه المبادرة قد يكون أهم مما تفعله.

الحجة

أولاً، المُسرّع وسيط تعارف لا بنك تمويل. بحسب تقرير موقع “كلايمت هوم نيوز” عن الإطلاق (Climate Home News، 23 سبتمبر 2026)، فإن المبادرة “تعمل كوسيط تعارف لا كمؤسسة تمويل” – إذ تجمع وكالات الأمم المتحدة وبنوك التنمية متعددة الأطراف والمستثمرين والمرافق الخدمية حول أولويات شبكات تحددها الحكومات نفسها، ولم يُعلَن عن أي تمويل جديد. هذا الفارق بالغ الأهمية بالنسبة لبلد مثل السودان، حيث لا تكمن العقبة أمام إعادة بناء الشبكة في نقص الخطط الفنية، بل في نقص المال وشروط السلام الأساسية التي يطلبها أي مستثمر قبل الالتزام بأي شيء. منصة تعارف كهذه تفيد حكومة تملك بالفعل مشاريع قابلة للتمويل ومستثمرين يمكن التعريف بها إليهم. لكنها لا تقدّم شيئًا يُذكر لحكومة لا تستطيع أصلاً جذب شركة تأمين أو جهة إقراض واحدة إلى طاولة النقاش.

ثانياً، حجم المشكلة التي يستجيب لها المُسرّع حقيقي ومتنامٍ – والسودان خارج الإطار الذي بُني لمعالجتها. تقدّر الوكالة الدولية للطاقة أن نحو 2,500 غيغاواط من مشاريع الطاقة المتجددة حول العالم – أي ما يقارب ضعف إجمالي القدرة التوليدية للولايات المتحدة – عالقة في طوابير انتظار الربط بالشبكة (بيانات الوكالة الدولية للطاقة، نقلاً عن كلايمت هوم نيوز، 23 سبتمبر 2026). ويقوم الشق الأفريقي من المُسرّع صراحة على مبادرة “المهمة 300” (Mission 300) التابعة للبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، والتي تهدف إلى ربط 300 مليون أفريقي بالكهرباء بحلول عام 2030. ووفق مواد البنك الدولي الخاصة بهذه المبادرة، أطلقت 36 دولة أفريقية “عهودًا وطنية للطاقة” (National Energy Compacts) ضمنها – ولا يرد اسم السودان بين الدول التي يذكرها البنك الدولي كدولة أطلقت مثل هذا العهد (البنك الدولي، صفحة الأسئلة الشائعة لمبادرة “المهمة 300″، بحسب الاطلاع في 25 سبتمبر 2026). غياب السودان ليس مفاجئًا في ظل الحرب، لكنه ذو دلالة: فالدولة غير المندرجة أصلاً ضمن مسار عهود “المهمة 300” ليست في موقع يتيح لها الاستفادة المباشرة من مُسرّع بُني خصيصًا لتوسيع نطاق هذا المسار.

حجم ما يمكن أن يحققه نموذج قائم على التعارف فقط بدون تمويل يتضح حتى في بيئات أكثر استقرارًا بكثير. تفيد كلايمت هوم نيوز بأن نسبة تراوحت بين 50 و60 في المائة من مشاريع الطاقة المتجددة في فيتنام وتايلاند وإندونيسيا أُلغيت أو تعطلت بين عامي 2021 و2025 تحديدًا لأن قدرة الشبكة لم تستطع استيعابها (كلايمت هوم نيوز، 23 سبتمبر 2026، نقلاً عن تحليل الوكالة الدولية للطاقة) – وهذه اقتصادات تعمل بشكل طبيعي، وحكوماتها قادرة على توقيع اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل واستقبال مستثمرين أجانب بشروط اعتيادية. وقال أليكسندر دي كرو، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خلال حفل الإطلاق، إن مشاريع الشبكات يجب أن تصبح “قابلة للاستثمار”، مقرًا بأنها تتطلب رأس مال مبدئيًا كبيرًا مقابل “عائد مستقر على المدى الطويل” (دي كرو، قمة الأمم المتحدة للمناخ، 23 سبتمبر 2026). وهذا خطاب منطقي أمام بنك يدرس مشروعًا في هانوي أو جاكرتا. أما تكراره على شبكة تعمل وسط حرب أهلية فعلية، فأمر أصعب بكثير.

ثالثاً، شبكة السودان لا تملك خمس إلى خمس عشرة سنة تنتظر فيها نضوج خط أنابيب استثماري. يعاني نظام الكهرباء في السودان حاليًا من عجز توليدي يقارب 3,300 ميغاواط، بسبب نقص الوقود المرتبط بالحرب الذي أدى إلى توقف شبه كامل لمحطات الطاقة الحرارية المعتمدة على الوقود المستورد (تقارير الطاقة في السودان، سبتمبر 2026). وأصبحت الطاقة الكهرومائية من سدّي مروي والروصيرص المصدر الرئيسي المتبقي، لكنها تتذبذب بحسب الموسم ولا تكفي لسد الفجوة. وقد أعلن مسؤولون سودانيون تشكيل لجنة لتبني “تحولًا متسارعًا نحو الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى” – وهي نية سليمة، وتضع توجه السودان المُعلن في الاتجاه نفسه الذي تسعى إليه مبادرة المُسرّع. لكن النية ليست هي العقبة. فحتى كلايمت هوم نيوز تشير إلى تعارض بنيوي في تصميم المُسرّع نفسه: بناء البنية التحتية للشبكات يستغرق عادة من خمس إلى خمس عشرة سنة، وهو جدول زمني لا يتناسب مع إلحاح ازدهار الطاقة المتجددة الذي يسعى المُسرّع لمواكبته، ناهيك عن إلحاح شبكة تنهار اليوم.

لماذا يهم هذا القارئ

بالنسبة لصانعي القرار السودانيين والجهات الإنسانية والتنموية العاملة إلى جانبهم، الدرس ليس أن المبادرات العالمية للشبكات عديمة الجدوى – فمبادرة “المهمة 300” تملك تمويلاً حقيقيًا ونتائج حقيقية، وقد وصلت بالفعل إلى عشرات الملايين من الأفارقة المربوطين حديثًا بالكهرباء. الدرس هو أن آلية قائمة على التعارف وحده لا يمكن أن تحل محل ما يحتاجه السودان أولاً وقبل كل شيء: أداة تمويل جسري، مصممة خصيصًا للمرافق الخدمية في مناطق النزاع، ولا تشترط خط أنابيب مشاريع يمتد لسنوات كما تستطيع أن تقدمه حكومة مستقرة. أما بالنسبة للجهات المانحة وبنوك التنمية متعددة الأطراف التي تقرأ في إطلاق مُسرّع الشبكات العالمي مؤشرًا على وجهة تمويل المناخ والطاقة، فإن السودان اختبار حي لما إذا كانت مبادرات “التنسيق” قادرة على المرونة الكافية للوصول إلى أصعب الحالات، أم أنها ستظل تخدم الدول التي كانت أصلاً قابلة للاستثمار.

الختام

وصف المُسرّع نفسه الشبكات بأنها شرايين التحول في الطاقة. لكن شرايين السودان ليست بطيئة – بل مقطوعة. ومُسرّع يعمل على تسريع خط تدفق قائم بالفعل لا يمكنه إعادة تشغيل خط توقف تمامًا، ويجب أن ينطلق أي حوار قادم مع المانحين بشأن شبكة السودان من هذا التمييز، لا من افتراض أن الإدراج ضمن مبادرة عالمية يعادل تلقي مساعدة فعلية منها.

أُعدّ هذا المقال عبر منظومة 3Bi الآلية للنشر اليومي التي ترصد التقارير المناخية الإقليمية والدولية.

يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة والمحدثة للجهات المانحة، تفضلوا بزيارة 3bisudan.org.

عن الكتّاب