الجزائر أعادت بناء حوكمة حرائق الغابات في موسم واحد.. ومؤسسات المناخ في السودان تنتظر منذ عقد ولا تزال تفتقر إلى الأساسيات

بنت الجزائر لجنة تنسيق وطنية لمخاطر الغابات خلال أشهر بعد حرائق 2026. السودان يعرف فجواته المناخية منذ 2016 ولم يسدّها بعد — وهذا هو الحل منخفض الكلفة.

فريق أبحاث 3Bi | ورقة سياسات | 9 سبتمبر 2026 | مبادرة البناء نحو الأفضل (3Bi)
المطلوب
نوصي بأن يستخدم المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان (HCENR)، بالتنسيق مع السلطة التنفيذية الانتقالية، عملية “الاستعداد لخطة التكيف الوطنية” الممولة من الصندوق الأخضر للمناخ (GCF) لإنشاء لجنة واحدة لتنسيق مخاطر المناخ متعددة القطاعات خلال هذا الربع من العام — ليست وثيقة استراتيجية أخرى، بل الهيئة المؤسسية الدائمة ذاتها التي بنتها الجزائر خلال ستة أشهر فقط بعد موسم حرائق الغابات في 2026. فالسودان لا ينقصه تشخيص المشكلة المناخية؛ بل ينقصه جهاز له صلاحية التصرّف بناءً على هذا التشخيص عبر الوزارات والولايات والمخاطر المختلفة في آنٍ واحد.
لماذا الآن؟
تتقاطع ثلاثة مواعيد حاسمة. أولًا، مشروع “الاستعداد لخطة التكيف الوطنية” الممول من الصندوق الأخضر للمناخ — والعامل منذ 2022 لسد فجوات التنسيق والبيانات ذاتها التي تتناولها هذه الورقة — بات مستحقًّا لمراجعة تقييم الأداء، وسيبحث المراجعون عن مخرجات مؤسسية فعلية لا عن ورش عمل إضافية (الصندوق الأخضر للمناخ، بحسب الاطلاع في 9 سبتمبر 2026). ثانيًا، ينعقد حاليًا “أسبوع المناخ الرابع” التابع لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في باكو حتى 11 سبتمبر 2026، ويتمحور “منتدى التنفيذ” فيه (9-10 سبتمبر) تحديدًا حول كيفية تحويل الحكومات التزاماتها المناخية إلى آليات تنفيذ فعلية — وهي بالضبط الفجوة التي تستهدفها هذه الورقة (اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، 9 سبتمبر 2026). ثالثًا، لا تنتظر أزمة السودان المناخية اكتمال المؤسسات: أفادت الأمم المتحدة في أواخر أغسطس 2026 بأن القتال والفيضانات الموسمية معًا أديا إلى نزوح 200 ألف شخص إضافي، ما يفاقم أزمة دفعت بالفعل معدلات سوء التغذية في دارفور نحو 70% (أخبار الأمم المتحدة، 25 أغسطس 2026). وكل شهر يمر دون جهاز تنسيقي هو شهر آخر من استجابة مجزأة ومرتجلة للفيضانات والجفاف ومخاطر حرائق موضعية، كان يمكن للجنة واحدة أن تتعامل معها معًا وفق أولويات واضحة.
الأدلة
1. الجزائر تُثبت أن النموذج ينجح، وينجح بسرعة. بعد أن أعاد موسم حرائق الغابات في 2026 فتح النقاش العام حول إدارة مخاطر الغابات، لم تكتفِ الجزائر بتكليف مراجعة أخرى، بل فعّلت اللجنة الوطنية لحماية الغابات التي أُنشئت مطلع 2026، بناءً على أساس قانوني ومؤسسي أُرسي في سنوات سابقة. وتشرح الباحثة في السياسات البيئية د. منال سخري، في مقال بمنصة “الطاقة” (attaqa.net) بتاريخ 6 سبتمبر 2026، منطق عمل اللجنة في خمسة محاور، يتقاطع كل منها مباشرة مع فجوات السودان ذاتها: (أ) حوكمة متكاملة تتعامل مع خطر الحرائق كقضية عابرة للقطاعات تشمل البيئة والتخطيط العمراني والحماية المدنية والتنمية المحلية، لا كمسألة إطفاء فحسب، بتنسيق وطني وتنفيذ محلي؛ (ب) تكنولوجيا استباقية — مراقبة عبر الأقمار الصناعية والحساسات والطائرات المسيّرة وخرائط الجفاف والغطاء النباتي، تُغذّي نظام إنذار مبكر واحدًا بدل أدوات متفرقة لكل جهة؛ (ج) قدرات استجابة مستدامة، تشمل وسائل الإطفاء الجوي التي يوزَّع انتشارها وفق خرائط المخاطر لا الاعتبارات السياسية؛ (د) إدماج رسمي للمجتمعات المحلية في الاكتشاف والتبليغ، ولمعايير خطر الحرائق في التخطيط العمراني (مسارات الإخلاء، نقاط المياه، مسافات الأمان)، بدل التعامل مع توسع السكن وإدارة مخاطر الغابات كمسارين منفصلين؛ (هـ) تعافٍ يُصاغ صراحةً بوصفه تكيفًا مناخيًا — إعادة تشجير تراعي ظروف الجفاف والحرارة المستقبلية لا مجرد استعادة ما كان قائمًا، مع دعم دخل انتقالي للمجتمعات المعتمدة على موارد الغابات (منصة الطاقة، 6 سبتمبر 2026).
2. تشخيص السودان لذاته قائم منذ 2016 — وسمّى هذه الفجوات ذاتها. قدّم السودان واحدة من ثلاث عشرة خطة تكيف وطنية فقط على مستوى العالم، بُنيت عبر مشاورات شملت ولاياته الثماني عشرة كافة، وغطّت المياه والزراعة والرعي والصحة والطاقة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – منصة التكيف المناخي، بحسب الاطلاع في 9 سبتمبر 2026). لكن مقترح “الاستعداد لخطة التكيف الوطنية” الممول من الصندوق الأخضر للمناخ — قيد التنفيذ منذ 2022 — وُجد أصلًا لأن خطة 2016 افتقرت إلى بيانات مناخية موثوقة وتقييمات أثر، وتدريب جيد التصميم للجان الفنية على مستوى الولايات، وقدرة تنسيق فاعلة بين المستويين الاتحادي والولائي (الصندوق الأخضر للمناخ، بحسب الاطلاع في 9 سبتمبر 2026). بعبارة أخرى: يعرف السودان منذ سنوات ما ينقصه. ما لم يوجد هو جهاز يملك السلطة الدائمة لسد الفجوة بدل إعادة تشخيصها. ويعمل المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، بصفته الجهة القائدة اسميًّا، حاليًا على استراتيجية لتنفيذ المساهمات المحددة وطنيًا تركّز تحديدًا على هذا الأمر — التعاون المؤسسي وتبادل البيانات وبناء قدرات التخطيط للتكيف (بريفنشن ويب، بحسب الاطلاع في 9 سبتمبر 2026) — لكن وثيقة استراتيجية ليست بديلًا عن لجنة ذات صلاحية فعلية عبر الوزارات وموازنة مخصصة، وهو ما بنته الجزائر فعلًا.
3. فجوة الشفافية تُضاعف فجوة التنسيق. كما أفاد 3Bi في 7 سبتمبر 2026، فإن آخر تقرير شفافية مناخية رسمي مسجَّل للسودان هو “تقرير التحديث نصف السنوي” الصادر في يناير 2022، أي قبل نظام التقارير الحالي بموجب اتفاق باريس، ولم يُعثر على أي “تقرير شفافية مناخية نصف سنوي” (BTR) مسجَّل قبل الموعد النهائي في 31 ديسمبر 2026 الذي يتمحور حوله أسبوع المناخ الرابع في باكو (سجل الأمم المتحدة للتقارير الأولى للشفافية المناخية؛ تقرير حالة صادر عن 3Bi، 7 سبتمبر 2026). ولو وُجدت لجنة تنسيقية بتفويض حقيقي للبيانات، لكانت مؤهلة لإصدار هذا التقرير كمنتج ثانوي لعملها الاعتيادي، بدل أن يكون سباقًا منفصلاً وضعيف الموارد في كل دورة تقارير — وهو بالضبط نوع المخرج المؤسسي الذي سيبحث عنه المانحون عند تقييم تقدّم “الاستعداد لخطة التكيف الوطنية”.
الرد على الحجة المضادة
أقوى اعتراض هو التوقيت: السودان يخوض حربًا، وحكومة تحت نزاع نشط، بسلطة إقليمية مجزأة، لا يمكنها إنشاء أجهزة تنسيقية جديدة بالطريقة ذاتها التي تفعلها دولة مستقرة كالجزائر. وهذا اعتراض عادل، ولا يتجاهله 3Bi. لكن الحجة المضادة، إن أُخذت إلى نهايتها المنطقية، تثبت أكثر مما ينبغي — إذ تعني أن على السودان ألا يبني أي مؤسسات مناخية إطلاقًا حتى تنتهي الحرب، بينما لا تتوقف الفيضانات والجفاف والنزوح انتظارًا للمفاوضات. والصيغة الأدق للاعتراض تتعلق بالنطاق لا بالجدوى: أسطول إطفاء جوي كامل على الطراز الجزائري ليس واقعيًّا لسودان في حالة حرب، وهذه الورقة لا توصي به. أما ما هو واقعي، ومتوافق مع سلطة إقليمية مجزأة، فهو طبقة التنسيق ذاتها — لجنة تجمع البيانات وصلاحيات القرار الموجودة أصلًا لدى المجلس الأعلى للبيئة والولايات ومجموعات العمل الإنساني، بدل لجنة تتطلب معدات جديدة أو بنودًا في الموازنة مشروطة بسيطرة إقليمية كاملة. وتؤكد التجربة الجزائرية ذاتها أن نموذجها لم يتطلب “بالضرورة هياكل جديدة”، بل ربطًا أفضل لما هو قائم أصلًا (منصة الطاقة، 6 سبتمبر 2026) — وهو سقف أقل يمكن لسلطة سودانية انتقالية، بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة الموجودة فعلًا على الأرض، أن تتجاوزه حتى في ظل الظروف الراهنة.
ما يوصي به 3Bi تحديدًا
أولًا، ينبغي أن يقترح المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية رسميًّا لجنة تنسيق مخاطر المناخ كمخرج محدد ومموَّل ضمن مشروع “الاستعداد لخطة التكيف الوطنية” القائم أصلًا عند مراجعة الأداء المقبلة، بدل تقديمها كمبادرة جديدة منافسة — بما يستفيد من تمويل وشرعية قائمين بالفعل. ثانيًا، ينبغي أن يكون التفويض الأولي للجنة ضيقًا وقابلًا للتحقيق في ظل الظروف الراهنة: تغذية بيانات إنذار مبكر مشتركة واحدة تجمع مؤشرات الأمطار والفيضانات والجفاف التي يجمعها حاليًا كل من المجلس الأعلى للبيئة ومنظمة الأغذية والزراعة ومجموعات العمل الإنساني بشكل منفصل، تُنشر عبر لوحة بيانات عامة خلال 90 يومًا. ثالثًا، ينبغي لمفاوضي أو مراقبي السودان في “منتدى التنفيذ” بأسبوع المناخ الرابع في باكو (9-10 سبتمبر) أن يطرحوا اقتراح هذه اللجنة مباشرة مع نظرائهم في الصندوق الأخضر للمناخ واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية هذا الأسبوع، طالما أن الجمهور المعني من المانحين والفنيين مجتمع في مكان واحد — وهي وسيلة منخفضة الكلفة وعالية الظهور لإرسال إشارة نية مؤسسية قبل الموعد النهائي لتقرير الشفافية في ديسمبر. رابعًا، ينبغي أن يلتزم المجلس الأعلى للبيئة علنًا بإصدار أول تقرير شفافية مناخية نصف سنوي للسودان كأول مخرج رسمي للجنة الجديدة، بما يمنح الجهاز الجديد اختبارًا فوريًّا وظاهرًا للعيان لمدى فاعليته.
المصادر والتواصل
المصادر: منصة الطاقة (attaqa.net)، 6 سبتمبر 2026؛ الصندوق الأخضر للمناخ، “دعم التخطيط للتكيف في السودان عبر منظمة الأغذية والزراعة”؛ صفحة السودان في منصة التكيف المناخي التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ بريفنشن ويب، الملف التعريفي للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية؛ برنامج “أسبوع المناخ” في باكو (CW4) التابع لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية؛ أخبار الأمم المتحدة، 25 أغسطس 2026؛ تقرير حالة صادر عن 3Bi، 7 سبتمبر 2026. للتواصل، يمكن مراسلة فريق أبحاث 3Bi عبر الموقع الإلكتروني 3bisudan.org.
أُنتج هذا المنشور عبر منظومة 3Bi الآلية للنشر اليومي، التي ترصد التغطية الإقليمية والدولية لقضايا المناخ.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على قائمة المانحين الكاملة، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
أكبر مطوّر طاقة شمسية في أوروبا يُشهر إفلاسه بعد 6 أشهر فقط من جمع 1.16 مليار دولار.. ودرس ينبغي أن يتنبّه له ممولو السودان
أعلنت شركة "إنربارك"، أحد أكبر مطوّري الطاقة الشمسية المستقلين في أوروبا، إفلاسها بعد ستة أشهر فقط من جولة تمويل بقيمة مليار يورو. وخط أنابيب الطاقة الشمسية الأصغر وغير…
جنوب أفريقيا تراهن على الفحم بينما تنتظر صفقتها المناخية بـ13.8 مليار دولار.. والسودان بلا الاثنين
وزير الطاقة في جنوب أفريقيا يقول إن الفحم ليس هو المشكلة، بينما تنتظر صفقة مناخية بـ13.8 مليار دولار تنفيذها. شبكة السودان تعمل بربع طاقتها دون تمويل مماثل.
تقرير موقف: أسبوع المناخ في باكو ينطلق على وقع موعد شفافية لم يفِ به السودان بعد
انطلق أسبوع المناخ الرابع في باكو اليوم بموضوع الشفافية على رأس جدول أعماله، في وقت لا يظهر فيه السودان ضمن قائمة الدول التي قدّمت الجولة الأولى من تقارير…