غرب أفريقيا ترسم طريقًا لتزويد 110 ملايين شخص بالكهرباء خارج الشبكة.. ومشروع السودان التجريبي لا يغطي سوى 150 ألف شخص. آن أوان رسم خريطة السودان أيضًا

دراسة لآيرينا ترسم خريطة تصل بها الشبكات الشمسية المصغّرة إلى 34 غيغاواط و47-110 ملايين شخص في غرب أفريقيا، بينما يستهدف مشروع أسِنت-السودان 150 ألف شخص فقط بلا خريطة مماثلة.

رسم يقارن بين أيقونة ذهبية للشبكة الشمسية المصغرة لغرب أفريقيا وأيقونة رمادية متقطعة للسودان.

فريق أبحاث 3Bi

المطلوب

توصي 3Bi هيئة الطاقة المتجددة السودانية، وفريق مشروع “أسِنت-السودان” (ASCENT-Sudan) الممول من البنك الدولي، والجهات المانحة المهتمة، بتكليف جهة لإجراء تقييم جغرافي للشبكات الكهربائية المصغّرة في الولايات السودانية المتأثرة بالحرب، على غرار الدراسة التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)، خلال الربعين الماليين المقبلين، باستخدام نفس منهجية “أونسِت” (OnSSET) ومقياس “قيمة التخزين” اللذين طبّقتهما آيرينا للتو على بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا والسنغال. فمن دون هذه الخريطة، يخاطر السودان بالدخول في المرحلة المقبلة من تمويلات “المهمة 300” (Mission 300) بلا قائمة مشروعات جاهزة للتنفيذ، بينما تقوم مجموعة مماثلة من دول غرب أفريقيا بالفعل بتحديد عشرات الغيغاواطات من قدرات الشبكات المصغّرة القابلة للاستثمار.

لماذا الآن

في 3 سبتمبر/أيلول 2026، نشرت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) دراسة -نقلتها في الأسبوع ذاته منصة “الطاقة” المتخصصة في أخبار الطاقة (3 سبتمبر 2026)- طبّقت فيها نموذج “أونسِت” الجغرافي للتخطيط الكهربائي على 4 دول في غرب أفريقيا. وجاءت النتائج لافتة من حيث الحجم: يمكن للشبكات المصغّرة الشمسية المزودة ببطاريات أن تضيف ما بين نحو 1 غيغاواط و34 غيغاواط من القدرة عبر الدول الأربع، بحسب معدلات نمو الطلب وافتراضات التوسع في الشبكة المركزية، ويمكن أن تصل إلى ما بين 47 و110 ملايين شخص يفتقرون حاليًا إلى كهرباء موثوقة. وحدها نيجيريا يمكنها إضافة 400 ميغاواط من قدرة الشبكات المصغّرة على المدى القريب – أي أكثر من ضعف إجمالي القدرة الشمسية المصغّرة المسجّلة في أفريقيا بأكملها عام 2025 (149 ميغاواط، بحسب أرقام آيرينا نفسها الواردة في الدراسة).

وهذا ليس تمرينًا تخطيطيًا نظريًا. فهو يقع داخل أداة تمويل حية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات: “المهمة 300″، المبادرة المشتركة بين البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، التي أُطلقت في أبريل/نيسان 2024 لتوصيل الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي بحلول عام 2030، بتمويل مُلتزَم به يبلغ 15 مليار دولار (تعهّد البنك الدولي بـ250 مليون اتصال، وبنك التنمية الأفريقي بـ50 مليون). وفي 16 يونيو/حزيران 2026، أعلن البنكان أنهما وصلا بالفعل إلى 50 مليون شخص في 40 دولة أفريقية – من بينهم 7.5 ملايين شخص في تنزانيا (خمسة أضعاف معدل التوصيل السنوي في البلاد قبل المبادرة)، و4.6 ملايين في إثيوبيا، و4.5 ملايين في نيجيريا، ومعظمها عبر الشبكات المصغّرة والطاقة الشمسية خارج الشبكة، لا عبر توسيع الشبكة المركزية.

والسودان موجود من الناحية الفنية داخل هذا المسار التمويلي، لكن بالكاد. فقد وافق مجلس إدارة البنك الدولي في يونيو/حزيران 2025 على مشروع “أسِنت-السودان” بتكلفة 76.3 مليون دولار – وهو المرحلة الحادية عشرة من برنامج “أسِنت” الإقليمي الذي يغذّي “المهمة 300” – ويستهدف توفير الكهرباء والإنترنت لـ150 ألف شخص، وتركيب 500 نظام للطاقة المتجددة، تتركّز في ولايات القضارف وكسلا والشمالية ونهر النيل (بيان صحفي للبنك الدولي، 2 يونيو 2025). وهو التزام حقيقي ومُرحَّب به. لكنه أيضًا، بالمقارنة مع أرقام آيرينا في غرب أفريقيا، أصغر بثلاث إلى أربع مراتب عددية مما يمكن أن تحدده دولة واحدة مماثلة ضمن دراسة آيرينا. فالسودان لم يخضع بعد لتمرين المسح الجغرافي المماثل الذي أجرته آيرينا للتو على بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا والسنغال – ولذلك لا أحد، داخل الحكومة أو خارجها، يعرف حاليًا ما هو السقف الواقعي لإمكانات الشبكات المصغّرة في السودان.

والحرب جعلت الحاجة الأساسية أكبر، لا أصغر. فبحسب تقارير وكالة “سودان تريبيون” (22 يوليو/تموز 2026) وموقع “تايمز لايف” نقلًا عن رويترز (28 أغسطس/آب 2026)، دُمِّر نحو 15 ألف محوّل كهربائي، ونُهب أو تضرر نحو 150 ألف كيلومتر من كابلات النقل على مستوى البلاد، إلى جانب توقف خط الاستيراد من إثيوبيا، وانقطاعات كهربائية تصل إلى 18 ساعة أو أكثر في المناطق المتضررة. وإصلاح الشبكة المركزية في مناطق النزاع النشط، بحسب صياغة آيرينا نفسها لسكان غرب أفريقيا الريفيين والصحراويين، “غير مجدٍ اقتصاديًا” على المدى القريب – وهو بالضبط الشرط الذي تتفوق فيه الشبكات المصغّرة على توسيع الشبكة المركزية. والسودان يستوفي هذا الشرط اليوم بحدّة أكبر من أي من دول الدراسة الأربع في غرب أفريقيا.

الأدلة

ثلاث نقاط بيانية من دراسة آيرينا تُترجَم مباشرة إلى سؤال تخطيطي يخص السودان:

أولًا، المزيج التقني ليس قريبًا من التساوي. تُظهر نمذجة آيرينا هيمنة الشبكات المصغّرة الشمسية الكهروضوئية على 98% من القدرة المصغّرة الجديدة المتوقعة عبر دول غرب أفريقيا الأربع، بينما تخدم الطاقة الكهرومائية أقل من 2% من التطبيقات المتخصصة، وتكاد مساهمة طاقة الرياح تكون معدومة (أقل من 0.1%). وبالنسبة للسودان – وهو بلد يتمتع بإشعاع شمسي قوي وشبكة كهرباء متضررة من الحرب تعتمد على الطاقة الكهرومائية (وسد مروي نفسه كان هدفًا) – يُعدّ هذا دليلًا قابلًا للتطبيق المباشر على أن استراتيجية الشبكات المصغّرة القائمة على الطاقة الشمسية أولًا، لا استراتيجية التوليد المتنوع، هي الخيار السائد فنيًا واقتصاديًا.

ثانيًا، التخزين هو المتغيّر الذي يحدد نجاح أو فشل جدوى المشروعات اقتصاديًا. مقياس “قيمة التخزين” الذي وضعته آيرينا – وهو الفارق في التكلفة على مدى دورة الحياة بين شبكة مصغّرة هجينة (شمسية-ديزل) مزوّدة ببطاريات، ونظام مكافئ بلا بطاريات يعتمد فقط على مولدات الديزل لتوفير المرونة – هو ما مكّن الوكالة من تحديد أين تتجاوز الشبكات المصغّرة المزوّدة بالتخزين الحد الاقتصادي المطلوب وأين لا تتجاوزه. ويتضمن تصميم مشروع “أسِنت-السودان” بالفعل مكوّنًا تجريبيًا للشبكات الشمسية المصغّرة (بحسب مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الموازي “تعزيز الشبكات الشمسية المصغّرة من أجل طاقة نظيفة وموثوقة في السودان”)، لكنه صُمِّم من دون تمرين فحص مماثل لقيمة التخزين عبر بقية الولايات السودانية المتأثرة بالحرب – ما يعني أن جغرافيا المشروع التجريبي الحالية اختيرت على الأرجح وفق اعتبارات الوصول والأمن، لا وفق ترتيب اقتصادي منهجي لأماكن تحقيق أكبر قيمة لكل دولار مانح في الشبكات المزوّدة بالتخزين.

ثالثًا، الحجم يتبع رسم الخريطة، لا العكس. لم يكن بالإمكان تحديد فرصة نيجيريا البالغة 400 ميغاواط من القدرة المصغّرة على المدى القريب إلا لأن آيرينا طبّقت نموذج “أونسِت” على نيجيريا تحديدًا. أما مشروع “أسِنت-السودان” فقد صُمِّم من دون هذه الخطوة. والفجوة البالغة ثلاث إلى أربع مراتب عددية بين هدف “أسِنت-السودان” (150 ألف شخص) وفرصة غرب أفريقيا (47-110 ملايين شخص) ليست دليلًا على أن الفرصة الحقيقية للسودان خارج الشبكة صغيرة بالضرورة – بل هي، على الأرجح، دليل على أن أحدًا لم يقسها بعد.

الرد على الحجة المضادة

الاعتراض الواضح هو أن السودان في حالة حرب، بينما دول دراسة الحالة الأربع في غرب أفريقيا ليست كذلك، وبالتالي فإن المقارنة غير عادلة، وأن تمارين رسم الخرائط أولوية أقل من احتياجات الطاقة الإنسانية الطارئة الآن. وهناك ثلاثة ردود مهمة هنا. أولًا، دراسة المسح الجغرافي هي تمرين مكتبي يُبنى على بيانات فضائية وسكانية وطوبولوجية للشبكة موجودة أصلًا – ولا يتطلب الوصول الفعلي إلى مناطق خط المواجهة غير المستقرة للبدء فيه، وقد سبق لتطبيقات آيرينا لنموذج “أونسِت” أن أُجريت في أوضاع هشة ومتأثرة بالنزاع من قبل. ثانيًا، مشروع “أسِنت-السودان” نفسه دليل على أن الرغبة التمويلية الدولية موجودة بالفعل خلال النزاع – والعنصر الناقص ليس المال، بل قائمة بيانات لمواقع قابلة للاستثمار جاهزة لتلقّي هذا التمويل، وهذا بالضبط ما ينتجه تمرين رسم الخريطة. ثالثًا، والأهم، فإن رسم الخريطة الآن هو ما يحدد ما إذا كان السودان جاهزًا لاستيعاب حصة أكبر بكثير من تمويلات “المهمة 300” أو الجهات المانحة، فور تحسّن شروط وقف إطلاق النار وتمويل إعادة الإعمار – فالدول التي تصل إلى تلك اللحظة بقائمة مشروعات جاهزة للتنفيذ تحصل على التمويل أسرع من الدول التي تبدأ التخطيط من الصفر.

اعتراض ثانٍ وأضيق نطاقًا هو أن هيئة الطاقة المتجددة السودانية قد تفتقر إلى القدرة الفنية لإجراء تمرين على غرار “أونسِت” بمفردها. وهذا قلق تشغيلي معقول، لا حجة ضد التوصية: فآيرينا نفسها، وبرنامج البنك الدولي لإدارة قطاع الطاقة (ESMAP) (الذي أجرى بالفعل تقييمًا مماثلًا لسوق الشبكات خارج الشبكة/المصغّرة في جنوب السودان)، والمنصة الإقليمية القائمة لبرنامج “أسِنت” في “كوميسا” (COMESA)، جميعها موارد فنية قائمة أُنشئت تحديدًا لتقديم هذا النوع من الدعم التحليلي على مستوى الدولة.

ما توصي به 3Bi تحديدًا

توصي 3Bi، أولًا، بأن تطلب هيئة الطاقة المتجددة السودانية رسميًا مساعدة فنية من آيرينا لإجراء تقييم جغرافي على غرار “أونسِت” للشبكات المصغّرة، يغطي جميع الولايات السودانية، لا الولايات الأربع التي يخدمها مشروع “أسِنت-السودان” حاليًا فقط، على أن تصدر النتائج خلال ربعين ماليين. ثانيًا، أن تكلّف الجهة المنفّذة لمشروع “أسِنت-السودان”، وهي مصرف التجارة والتنمية لشرق وجنوب أفريقيا، بإجراء تحليل لـ”قيمة التخزين” خاص ببقية الولايات السودانية التي يمكن الوصول إليها، لتحديد أين تتفوق الشبكة المصغّرة الشمسية المزوّدة بالبطاريات على مواصلة الاعتماد على الديزل وفق معايير التكلفة الصارمة – على غرار المقياس ذاته الذي طبّقته آيرينا في غرب أفريقيا. ثالثًا، أن تستخدم السلطات السودانية والشركاء المانحون الخريطة الناتجة، فور اكتمالها، لإعداد مرحلة تمويل ثانية وأكبر لمشروع “أسِنت-السودان”، أو تقديم طلب مباشر ضمن مسار “المهمة 300″، بحجم يتناسب مع عدد سكان السودان الفعلي خارج الشبكة، لا مع النطاق الإداري الحالي للمشروع التجريبي. رابعًا، أن تُنشر بيانات هذه الخريطة علنًا، باللغتين العربية والإنجليزية، حتى يتمكن المجتمع المدني السوداني وشبكات لجان المقاومة/لجان الخدمات في المناطق المشمولة بالخريطة من التحقق من اختيار المواقع، والإشارة إلى احتياجات الوصول على مستوى المجتمعات المحلية التي لا تلتقطها البيانات الفضائية وحدها.

المصادر والتواصل

المصدر الأساسي: منصة “الطاقة”، “الطاقة الشمسية المصغرة الحل الأمثل للحرمان من الكهرباء.. غرب أفريقيا نموذجًا (دراسة)”، 3 سبتمبر/أيلول 2026، نقلًا عن دراسة تحليلية لوكالة آيرينا طبّقت نموذج “أونسِت” على بوركينا فاسو ومالي ونيجيريا والسنغال. مصادر داعمة: بيان صحفي للبنك الدولي، “تعزيز الاتصال بالطاقة والرقمنة في السودان”، 2 يونيو/حزيران 2025 (الموافقة على مشروع “أسِنت-السودان” وتصميمه)؛ مواد برنامج “المهمة 300” التابع للبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، وبيان التقدّم المشترك في 16 يونيو/حزيران 2026 (50 مليون اتصال في 40 دولة أفريقية)؛ صفحة مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان “تعزيز الشبكات الشمسية المصغّرة من أجل طاقة نظيفة وموثوقة في السودان”؛ برنامج البنك الدولي لإدارة قطاع الطاقة (ESMAP)، “مسارات توسيع الوصول إلى الكهرباء في جنوب السودان” (منهجية تقييم مماثلة لسوق الشبكات خارج الشبكة/المصغّرة في المنطقة)؛ “سودان تريبيون”، 22 يوليو/تموز 2026، و”تايمز لايف” نقلًا عن رويترز، 28 أغسطس/آب 2026 (أرقام أضرار شبكة الكهرباء في السودان). أُنتِج هذا المنشور عبر سير عمل النشر اليومي الآلي لـ3Bi الذي يرصد التقارير الإقليمية والدولية المتعلقة بالمناخ والطاقة.

يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ راجع القائمة الكاملة للممولين على الموقع الإلكتروني 3bisudan.org.

عن الكتّاب