انقطاع الكهرباء أسقط رئيس مدغشقر.. وشبكة السودان تسير على النهج ذاته

أطاحت انتفاضة مدغشقر الناجمة عن انقطاع الكهرباء عام 2025 برئيس. يواجه السودان اليوم المعادلة ذاتها بين سقف الأسعار وشركة المرافق، ولا يستطيع تحمل الجدول الزمني الذي استغرقه نموذج هجين مثبت للتمويل الشمسي-الديزل ليصل إلى مرحلة التشغيل.

في سبتمبر 2025، تحولت الاحتجاجات على انقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه بالعاصمة أنتاناناريفو إلى انتفاضة شبابية أطاحت، خلال ثلاثة أسابيع فقط، بالرئيس أندريه راجولينا ودفعته إلى مغادرة البلاد، لتتولى المؤسسة العسكرية السلطة (وكالتا رويترز والأسوشييتد بريس عبر Jefferson City News-Tribune، 15 أكتوبر 2025؛ ويكيبيديا “احتجاجات مدغشقر 2025″، بالاطلاع بتاريخ 19 سبتمبر 2026). لم يكن الشرارة الأولى انتخابات أو محاولة انقلاب أو تدخلاً خارجياً، بل انقطاعات الكهرباء الناجمة عن شركة مرافق تعتمد على الديزل، أفلستها فعليًا سياسة تسعير حكومية مفروضة عليها (موقع الطاقة، نقلاً عن مجلة “بي في ماغازين”، 19 سبتمبر 2026).
والسودان اليوم يُجري المعادلة ذاتها، على نطاق أوسع وفي ظروف أقسى. فمع توقف محطات حرارية، وعجز الطاقة الكهرومائية عن سد الفجوة، وانقطاع خط استيراد الكهرباء من إثيوبيا، وارتفاع أسعار الديزل بأكثر من 40% منذ مارس/آذار، وصلت مدة انقطاع الكهرباء إلى ما بين 12 و18 ساعة يوميًا في أجزاء من البلاد (الجزيرة، 16 أبريل 2026؛ Borkena، 22 يوليو 2026؛ TimesLIVE، 28 أغسطس 2026). وللحرب في السودان عوامل تفاقم إضافية لم تكن حاضرة في حالة مدغشقر — تضرر الشبكة وانقطاع إمدادات الوقود بفعل النزاع — إلا أن الآلية الأساسية التي تربط انهيار شركة مرافق بالانفجار السياسي هي ذاتها التي شهدتها أنتاناناريفو للتو، وتستحق من قراء 3Bi أخذها على محمل الجد بدلاً من اعتبارها قصة جزيرة منفصلة.
الحجة
أولًا، الآلية التي أسقطت راجولينا بنيوية لا عرضية. فُرض على شركة المرافق الوطنية “جيراما” (Jirama) بيع الكهرباء بأقل من تكلفة إنتاجها بموجب سقف أسعار حكومي، فيما كانت تلك التكلفة نفسها مرتفعة أصلًا بسبب اعتماد مولدات الديزل على وقود مستورد يُنقل عبر تضاريس وعرة (موقع الطاقة، 19 سبتمبر 2026). والنتيجة شركة عاجزة عن الاستثمار في بنيتها التحتية، وشبكة تتدهور عامًا بعد عام، وانقطاعات بلغت ثماني مرات أو أكثر يوميًا في العاصمة. ونسبة الكهربة، المعلنة رسميًا عند 40% عند احتساب الألواح الشمسية المنزلية الصغيرة بقدرة 20 واطًا، هي في الواقع أقل من ذلك بكثير — وإجمالي استهلاك الكهرباء الوطني لا يتجاوز 2.5 تيراواط/ساعة سنويًا، أي ما يعادل 12% فقط من استهلاك مدينة بروكسل وحدها، لبلد يبلغ عدد سكانه 34 مليون نسمة (موقع الطاقة، 19 سبتمبر 2026). هذا ليس عطلًا مؤقتًا في الإمداد، بل شركة عاجزة بنيويًا عن تلبية الطلب، وهو بالضبط الوضع الذي يقدّر البنك الدولي في ظله أن نحو 75% من سكان مدغشقر يعيشون تحت خط الفقر (allafrica.com، 30 سبتمبر 2025) — أي الفئة السكانية الأقل قدرة على تحمّل دوامة تكاليف ناجمة عن الانقطاعات.
ثانيًا، يمتلك السودان بالفعل كل عناصر المعادلة ذاتها، مضافًا إليه النزاع المسلح. عزت وزارة الطاقة السودانية تفاقم الانقطاعات إلى توقف واردات الكهرباء من إثيوبيا وإلى استهداف قوات الدعم السريع للبنية التحتية للشبكة، إلى جانب أعطال المحطات الحرارية، ما ترك سدّي مروي والروصيرص عاجزين عن تغطية الطلب الأساسي بمفردهما (Borkena، 22 يوليو 2026; TimesLIVE، 28 أغسطس 2026). وارتفعت أسعار البنزين بأكثر من 40% بين أواخر مارس ومنتصف 2026، من نحو 4,860 إلى 6,870 جنيهًا سودانيًا لليتر، ما أخرج التوليد المنزلي والتجاري بالديزل — خط الدفاع الاحتياطي عند انهيار الشبكة — من متناول شريحة متزايدة من السكان (الجزيرة، 16 أبريل 2026). واستجابت الحكومة السودانية بحلول مؤقتة، من بينها صاقلة توليد كهرباء جديدة وصلت ميناء بورتسودان في يوليو 2026 (North Africa Post، 22 يوليو 2026). غير أن الحلول المؤقتة تشتري وقتًا فقط، ولا تُغيّر المعادلة الأساسية التي كلّفت رئيس مدغشقر منصبه للتو.
ثالثًا، الحل قائم وليس تجريبيًا، لكنه يتحرّك حاليًا بالوتيرة الخاطئة تمامًا. أمضى تحالف ممول بلجيكيًا — بقيادة شركة إنرديل (Enerdeal)، التابعة الآن لشركة المرافق البرتغالية EDP، إلى جانب معهد بيكريل (Becquerel) — نحو عقد كامل في بناء محطات هجينة تجمع الطاقة الشمسية والديزل والبطاريات في خمسة مواقع بمدغشقر: بلدات أمبيلوبي ومانانارا وماروفواي، إضافة إلى جزيرتين سياحيتين هما سانت ماري ونوسي بي (موقع الطاقة، 19 سبتمبر 2026). وكانت النتائج ملموسة: نحو 5 ميغاوات من القدرة الشمسية أُضيفت فوق التوليد القائم بالديزل، ما خفّض استهلاك الوقود وحسّن الموثوقية دون انتظار إعادة بناء الشبكة بالكامل. لكن وبحسب ما نقله موقع الطاقة، يقرّ القائمون على المشروع أنفسهم بأن عقدًا كاملًا بين الموافقة على التمويل والتشغيل الفعلي مدة طويلة جدًا لتقنية تراجعت تكاليفها بشدة خلال العقد ذاته — إذ إن مشروعًا يبدأ في 2026 لن يشبه إطلاقًا مشروعًا بدأ في 2016. وهذه الوتيرة التمويلية رفاهية لا يملكها السودان، وهو يخسر قدرته التوليدية في الوقت الراهن وسط أزمة مستمرة.
لماذا يهم هذا القارئ
بالنسبة إلى الجهات المانحة، والمؤسسات المالية متعددة الأطراف، ومخططي الطاقة في السودان، ليست حالة مدغشقر عبرة من جزيرة نائية، بل نموذجًا مُثبتًا جاهزًا على الرف. فالمحطات الهجينة التي تجمع الطاقة الشمسية والديزل والبطاريات وسيلة مصرفية قابلة للتمويل ومُختبرة فعليًا لتثبيت شبكات محلية تعاني نقص الوقود، دون انتظار الظروف السياسية والمادية اللازمة لإعادة بناء الشبكة الوطنية كاملة. والبلدات السودانية المعتمدة على الديزل، والمستشفيات المرتهنة لمولدات احتياطية، والموانئ التي تعتمد على صواقل التوليد، تقع جميعها في الفئة الوظيفية ذاتها التي كانت عليها بلدات مثل أمبيلوبي أو ماروفواي قبل التحديث. والعائق هنا ليس الجدوى التقنية، بل سرعة الإقراض والتمويل. فنموذج تمويلي وهندسي استغرق عقدًا للوصول إلى التشغيل في مدغشقر، وهي بلد أكثر استقرارًا نسبيًا، ليس نموذجًا يمكن للسودان تبنيه بالوتيرة نفسها — فالبلد الذي يعاني انقطاعات أشد حدة اليوم قد يملك هامشًا سياسيًا أضيق مما كانت تملكه مدغشقر قبل سبتمبر 2025، لا أوسع.
الخاتمة
توصي مجموعة 3Bi وزارة الطاقة والنفط السودانية، بالتعاون مع شركاء التمويل الإنمائي الدوليين، بتكليف جهة لإجراء دراسة جدوى — خلال الأيام الـ 90 المقبلة — لإقامة محطات هجينة (شمسية-ديزل-بطاريات) في أكثر مواقع التوليد اعتمادًا على الديزل في السودان، على أن تُبنى صراحة على نموذج برنامج “فاينكسبو” الخماسي المواقع في مدغشقر، لكن بجدول زمني للتمويل والتشغيل يُقاس بالأشهر لا بالسنوات. فالتقنية وأدوات التمويل متوفرتان بالفعل؛ وما ينقص هو الإرادة على التحرّك بالسرعة التي تفرضها الأزمة الراهنة، لا بالسرعة التي اعتادتها الإجراءات المؤسسية.
أُعدّ هذا المنشور عبر منظومة 3Bi الآلية للنشر اليومي، التي ترصد التقارير المناخية والطاقوية الإقليمية والدولية.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ 3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للجهات الممولة، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
على السودان التوجّه مباشرة إلى التحالفات المصرية التي تبني غيغاواطات على الحدود
على وزارة الطاقة والنفط السودانية فتح مفاوضات مباشرة مع التحالفات المصرية التي تبني حاليًا سدًا في تنزانيا ومحطة في المجر ومحطة أخرى في السعودية، لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء…
تقرير حالة: أسبوع المناخ في نيويورك يفتح أبوابه على رأس المال العالمي.. وانقطاعات الكهرباء في السودان تكشف أين لا يصل
ينطلق أسبوع المناخ في نيويورك اليوم مع التمويل كمحور أساسي، بينما تدير شبكة الكهرباء في السودان عجزًا بنحو 3300 ميغاواط - ونظامًا شمسيًا بـ5000 دولار لا تستطيع معظم…
مبادرة "الكهربة" التركية في كوب 31 فرصة للسودان.. والخرطوم بحاجة إلى تقديم تعهدها قبل أنطاليا لا بعدها
التحالف الطوعي التركي للكهربة في كوب 31 يكافئ التعهدات المبكرة والموثوقة بفرص تمويل. على السودان إعداد تعهده وتقديمه قبل أنطاليا لا بعدها.