قبل أن تنقطع الأمطار أو تفيض: السودان وشرق أفريقيا بحاجة إلى تمويل تكيّف جاهز الآن، لا بعد وقوع أزمة النينيو
مع تهديد ظاهرة النينيو المتصاعدة بجفاف في الساحل وفيضانات في شرق أفريقيا اعتبارًا من سبتمبر 2026، يبقى مسار السودان المثبت للوصول المباشر إلى تمويل المناخ غير مستغل.

مع تهديد ظاهرة النينيو المتصاعدة بجفاف في الساحل وفيضانات في شرق أفريقيا اعتبارًا من سبتمبر 2026، يبقى مسار السودان المثبت للوصول المباشر إلى تمويل المناخ غير مستغل قبل وقوع الصدمة. توصي 3Bi بتسريع التمويل الاستباقي الآن.

المطلوب
توصي 3Bi بأن يُسرّع المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وصندوق المناخ الأخضر (GCF)، اعتماد آلية وصول مباشر وحزمة تمويل استباقي للسودان قبل أن تبلغ ظاهرة “النينيو الفائقة” ذروتها المتوقعة بين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026. كل شهر يُستهلك في مراجعات الأهلية المالية المعتادة هو شهر يمر فيه مزارعو السودان الذين يعتمدون على الأمطار والرعاة دون خزانات مياه أو أنظمة إنذار مبكر أو تحويلات نقدية طارئة، وهي ما يفصل بين موسم سيئ ومجاعة.
لماذا الآن
تشير التوقعات إلى أن ظاهرة النينيو المتصاعدة ستجلب جفافًا حادًا إلى منطقة الساحل وجنوب أفريقيا، وفيضانات إلى شرق أفريقيا ابتداءً من سبتمبر/أيلول 2026 تقريبًا (فورين بوليسي، 19 أغسطس/آب 2026). وقد حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بالفعل من أن هذا النمط قد يدفع نحو 50 مليون شخص إضافي إلى “انعدام أمن غذائي حاد” بحلول نهاية 2027، مشيرًا إلى دول تشهد بالفعل هطولًا مطريًا أقل من المعدل، وفيضانات، وحرارة غير معتادة قبيل مواسم الزراعة والحصاد (عبر نشرة “كروبد” الصادرة عن كاربون بريف، 12 أغسطس/آب 2026، نقلًا عن برنامج الأغذية العالمي). وبلغت أسعار الغذاء العالمية أعلى مستوى لها منذ 3 سنوات في يوليو/تموز 2026، إذ عزت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ذلك إلى موجات الحر التي أضرّت بمحاصيل القمح في كبرى الدول المنتجة (رويترز، نقلًا عن كاربون بريف، 12 أغسطس/آب 2026).
وقد عاش السودان هذه الدورة من قبل. فظاهرة النينيو المماثلة الأخيرة، بين 2023 و2024، جرفت المحاصيل والماشية في أنحاء شرق أفريقيا؛ وقالت إليزابيث نسيمادالا، رئيسة اتحاد مزارعي شرق أفريقيا، لكاربون بريف إن المزارعين في منطقتها “ما زالوا يسددون ديونًا” من ذلك الموسم، ووصفت عائقًا مباشرًا أمام التكيّف قبل وقوع الصدمة التالية: “الوصول إلى التمويل… سيكون نقطة تحوّل، لأنه بمجرد توفر التمويل يمكنك التعامل مع البقية. يمكنك التكيّف. يمكنك توسيع نطاق هذه الممارسات” (كاربون بريف، 12 أغسطس/آب 2026).
والنافذة الزمنية للتحرك ضيقة ومحددة: تشير توقعات الطقس إلى بداية الظاهرة في سبتمبر/أيلول. والتمويل الاستباقي — التحويلات النقدية، والبذور وبنية المياه التحتية المهيّأة مسبقًا، وأنظمة الإنذار المبكر — لا ينجح إلا إذا وصل قبل وقوع الصدمة، لا بعدها.
الأدلة
فجوة التمويل إقليمية لا وطنية فقط. قدّرت الاستراتيجية الإقليمية للإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا) للوصول إلى تمويل المناخ وتعبئته احتياجات غرب أفريقيا التمويلية بـ294 مليار دولار حتى عام 2022؛ وأكدت ورشة عمل إقليمية عُقدت في أبوجا هذا الشهر أن هذا الرقم “ارتفع بشكل ملحوظ” منذ أن قدّمت الدول الأعضاء الجيل الثالث من مساهماتها المحددة وطنيًا، وأن البنك الدولي يقدّر الآن أن ما يصل إلى 32 مليون شخص في المنطقة قد يواجهون نزوحًا داخليًا بسبب المناخ (ذيس داي، 13 أغسطس/آب 2026). ويصف محللون يتابعون موقع القارة الأوسع تمويل المناخ بأنه “بعيد المنال” من حيث الحجم والقابلية للتنبؤ وسهولة الوصول لمعظم الدول الأفريقية، حتى مع رفع هدف تمويل التكيّف العالمي — إذ يظل تمويل الخسائر والأضرار ناقص التمويل ويبقى حشد رأس المال الخاص حذرًا (معهد الدراسات الأمنية الأفريقي، 2026).
مشكلة وصول السودان بنيوية لا مالية فقط. تشير تحليلات فجوات تمويل خطط التكيّف الوطنية إلى مجموعة ثابتة من العوائق التي تواجه السودان ودولًا مماثلة: قلة الجهات المعتمدة دوليًا القادرة على تلقي أموال صندوق المناخ الأخضر مباشرة، ومعايير أهلية مالية وضمانات مرتفعة تجد المؤسسات الوطنية الأصغر صعوبة في استيفائها، وقدرات محدودة في كتابة المقترحات والمتابعة والتقييم، إضافة إلى الأثر التراكمي لهشاشة الحوكمة وعدم الاستقرار على كل ما سبق (تحليل المعهد الدولي للبيئة والتنمية لتمويل خطط التكيّف الوطنية، 2026؛ صفحة صندوق المناخ الأخضر الخاصة بالسودان). وقد أنجز السودان الجزء الأصعب والأبطأ من العمل — إذ لديه خطة تكيّف وطنية معتمدة وعلاقة مباشرة فعّالة مع صندوق المناخ الأخضر — لكن خطة بلا تمويل مصروف وجاهز مسبقًا خلفها لا تحمي مزارعًا في غرب دارفور من موسم أمطار فاشل.
التمويل المباشر للسودان ليس افتراضيًا — بل مُثبت وغير مستغَل بالقدر الكافي. في المنحة المباشرة الوحيدة ذات الحجم الكبير التي حصل عليها السودان حتى الآن، وافق صندوق المناخ الأخضر في أغسطس/آب 2020 على 25.6 مليون دولار لمشروع مدته 5 سنوات — بقيادة المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي — استفاد منه نحو 3.7 مليون شخص في 9 ولايات (دارفور، كردفان، كسلا، البحر الأحمر، الشمالية، والخرطوم) عبر بنية تحتية للمياه والأمن الغذائي قادرة على مواجهة تغيّر المناخ، مع تمويل مشترك إضافي بلغ 15 مليون دولار من الحكومة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، 23 أغسطس/آب 2020). ويثبت هذا المشروع أن النموذج ينجح على نطاق واسع عندما يتوافق الاعتماد المؤسسي مع التمويل المشترك — والسؤال هو لماذا لا توجد، بعد 6 سنوات وظاهرة نينيو متصاعدة أخرى، حزمة تمويل استباقي مماثلة جاهزة قبل صدمة متوقعة بهذا القدر من التحديد.
الرد على الحجة المضادة
الاعتراض المعتاد على تسريع التمويل استنادًا إلى توقعات لا إلى صدمة مناخية مؤكدة هو أن توقعات النينيو تحمل درجة حقيقية من عدم اليقين، وأن الأموال المخصصة للعمل الاستباقي قد تُعتبر مهدورة إذا لم يتحقق السيناريو الأسوأ في منطقة بعينها. وهذا تحفظ منطقي ضد الصرف غير المشروط — لكنه حجة لصالح تمويل استباقي محسوب ومرتبط بمحفزات محددة (يُصرف عند بلوغ عتبات محددة لهطول الأمطار أو منسوب الأنهار أو مؤشرات الغطاء النباتي، كما يفعل بالفعل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة في برامج عمل استباقي أخرى)، لا حجة للانتظار حتى يتأكد الجفاف أو الفيضان على الأرض. وموسم 2023-2024 هو نقطة المقارنة ذات الصلة: فقد أنتج خسائر حقيقية وموثّقة استغرق تسديدها أكثر من عام لدى الأسر الزراعية الأوغندية والسودانية. فالتأخير نفسه له تكلفة؛ إنها ببساطة تكلفة تظهر لاحقًا وتقع على الأسر لا على الموازنات المؤسسية.
أما الاعتراض الثاني، الأكثر ارتباطًا بالجانب المؤسسي، فهو أن هشاشة الحوكمة في السودان تجعل تسريع المراجعة المالية أمرًا محفوفًا بالمخاطر. وردّ 3Bi ليس التنازل عن العناية الواجبة، بل توجيه عملية التسريع عبر علاقة الاعتماد المؤسسي القائمة بالفعل بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق المناخ الأخضر — وهي الآلية ذاتها التي أوصلت منحة 2020 — بدلًا من مطالبة المؤسسات السودانية بإكمال عملية اعتماد جديدة من نقطة الصفر.
ما توصي به 3Bi تحديدًا
- على صندوق المناخ الأخضر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فتح نافذة تمويل استباقي مرتبطة بمحفزات محددة للسودان ضمن برنامج صندوق المناخ الأخضر الحالي في السودان، معايَرة على نافذة توقعات النينيو المحددة بين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026، بالاستناد إلى علاقة الاعتماد المؤسسي القائمة بالفعل منذ منحة 2020 بدلًا من اشتراط اعتماد جديد.
- على المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان أن ينشر، خلال 30 يومًا، جردًا محدّثًا لعناصر خطة التكيّف الوطنية الجاهزة للتنفيذ الفوري — خزانات المياه، بنوك البذور، أنظمة الإنذار المبكر — بحيث تتوفر لأي دفعة تمويل مُسرّعة مسار صرف مُدقّق مسبقًا، بدلًا من إضاعة أسابيع في تصميم المشروع بعد اعتماد التمويل.
- على الجهات المانحة الإقليمية ومنصة تمويل المناخ التابعة للإيكواس قيد التطوير أن تتعامل مع السودان ودول هشة مماثلة كحالة تجريبية لنوافذ وصول مباشر مبسّطة ومرتبطة بمحفزات محددة، بدلًا من تركها تتنافس على دورة مقترحات صندوق المناخ الأخضر القياسية ذاتها مع جهات متقدمة بطلبات أكثر استقرارًا مؤسسيًا — فتقدير النزوح الإقليمي البالغ 32 مليون شخص يوضح أن وتيرة الوصول الحالية لا تواكب وتيرة الخطر.
القارئ الذي لا يستطيع التحرك بناءً على التوصيات الثلاث جميعها ينبغي أن يخرج برسالة واحدة من هذه الورقة: آليات التمويل وعلاقة الاعتماد المؤسسي اللازمة للتحرك بسرعة موجودة بالفعل. ما ينقص هو قرار استخدامها قبل انقطاع الأمطار أو فيضانها، لا بعده.
المصادر والتواصل
المصادر: فورين بوليسي (19 أغسطس/آب 2026)؛ نشرة “كروبد” الصادرة عن كاربون بريف (12 أغسطس/آب 2026، نقلًا عن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ورويترز/منظمة الأغذية والزراعة)؛ ذيس داي، نيجيريا (13 أغسطس/آب 2026، ورشة عمل الإيكواس الإقليمية لتمويل المناخ، أبوجا)؛ معهد الدراسات الأمنية الأفريقي (2026)؛ تحليل المعهد الدولي للبيئة والتنمية لتمويل خطط التكيّف الوطنية؛ صفحة صندوق المناخ الأخضر الخاصة بالسودان؛ بيان صحفي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان (23 أغسطس/آب 2020، اعتماد منحة صندوق المناخ الأخضر).
للاستفسارات حول هذه الورقة أو أجندة 3Bi البحثية في تمويل المناخ، يُرجى التواصل مع فريق أبحاث 3Bi عبر الموقع 3bisudan.org.
نُشر هذا الإصدار عبر سير العمل الآلي اليومي لمنشورات 3Bi، الذي يرصد التغطية الإقليمية والدولية لشؤون المناخ.
يُنتَج هذا المنشور بدعم من الجهات المانحة المؤسسية لـ3Bi؛ للاطلاع على القائمة الكاملة للجهات الممولة، يُرجى زيارة 3bisudan.org.
عن الكتّاب
إصدارات ذات صلة
مبادرة "الكهربة" التركية في كوب 31 فرصة للسودان.. والخرطوم بحاجة إلى تقديم تعهدها قبل أنطاليا لا بعدها
التحالف الطوعي التركي للكهربة في كوب 31 يكافئ التعهدات المبكرة والموثوقة بفرص تمويل. على السودان إعداد تعهده وتقديمه قبل أنطاليا لا بعدها.
ثبّتوا ضمانات التحوّط الآن: ترقية الربط الكهربائي بين السودان ومصر هي الفرصة الأرخص لإدخال الطاقة المتجددة إلى الشبكة
يُعاد تصميم الربط الكهربائي بين السودان ومصر هذا الشهر. توصي 3Bi بتثبيت حصة للتوليد المتجدد وضمانة لمخاطر العملة الآن، قبل بناء المرحلة الثانية وفق شروط استيرادية أحفورية قديمة.
تقرير موقف: توسع الطاقة المتجددة في جنوب أفريقيا.. الشركات تتصدر المشهد بدلًا من الدولة
للمرة الأولى، ستموّل اتفاقيات شراء الكهرباء من الشركات قدرات شمسية وريحية جديدة في جنوب أفريقيا أكثر من المزادات الحكومية خلال عام 2026 — رغم تراجع الاستثمارات الوطنية في…